
في زمن تتقاطع فيه التكنولوجيا مع السياسة بشكل غير مسبوق، وتتزايد فيه أدوار الخوارزميات في توجيه الرأي العام وصناعة القرار، احتضن مقر حزب الاستقلال بمدينة طنجة، مساء الثلاثاء 17 مارس 2026، ندوة فكرية رفيعة المستوى خُصصت لموضوع: “الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي للعملية الانتخابية: رهانات الديمقراطية في عصر الخوارزميات”، في مبادرة تعكس وعياً متنامياً بضرورة مواكبة التحولات العميقة التي يشهدها العالم.
اللقاء، الذي يأتي ضمن البرنامج الرمضاني الثقافي والفكري الذي دأب الحزب على تنظيمه بإقليم طنجة-أصيلة، نظمته رابطة أساتذة التعليم العالي الاستقلاليين بجامعة عبد المالك السعدي – فرع طنجة، بشراكة مع فرع الحزب بمغوغة، وتحت إشراف مفتشية الحزب بالإقليم، في سياق دينامية تروم إعادة الاعتبار للنقاش الفكري داخل الفضاء السياسي.
وشهدت الندوة حضوراً وازناً جمع بين المسؤولين الحزبيين والمنتخبين والفاعلين النقابيين والأكاديميين، يتقدمهم الدكتور جمال بخات مفتش الحزب بالإقليم، إلى جانب الدكتور نور الدين الشنكاشي كاتب فرع الحزب بمغوغة، عضو المجلس الوطني للحزب ونائب عمدة طنجة، ورشيد خضور كاتب فرع الحزب بالسواني وعضو المجلس الوطني، وعبد الله المرابط الداجيدي، كاتب فرع الحزب ببني مكادة وعضو المجلس الوطني ونائب رئيس مقاطعة بني مكادة، ومولاي عبد الواحد العلوي، الكاتب الإقليمي للاتحاد العام للشغالين بالمغرب بطنجة وعضو مكتبه التنفيذي، ونفيسة العلمي، نائبة عمدة مدينة طنجة، فضلاً عن أعضاء المجلس الوطني للحزب وأطره ومسؤولي تنظيماته الموازية، إلى جانب حضور لافت لمناضلات ومناضلي الحزب.
استُهلت أشغال اللقاء بأداء النشيد الوطني ونشيد الحزب، قبل أن تُعطى انطلاقة النقاش من خلال كلمة الدكتور جمال بخات، الذي وضع الموضوع في سياقه العام، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد شأناً تقنياً صرفاً، بل تحول إلى عنصر بنيوي في تدبير الشأن العام، بما له من تأثير مباشر على آليات اتخاذ القرار وعلى قواعد التنافس الديمقراطي.
وشدد على أن التحول الرقمي، رغم ما يحمله من إمكانيات واعدة لتحديث المنظومة الانتخابية وتعزيز الشفافية، يطرح في المقابل تحديات دقيقة تتصل بضرورة التأطير القانوني والأخلاقي، محذراً من مخاطر توظيف التكنولوجيا بشكل قد يفضي إلى التأثير على الإرادة الحرة للناخبين.
من جانبه، قاد الدكتور نور الدين الشنكاشي مجريات النقاش، حيث أبرز في مداخلته أن هذا اللقاء يندرج ضمن تقليد فكري يسعى إلى وصل الفعل السياسي بالإنتاج المعرفي، معتبراً أن التحولات الرقمية تفرض إعادة صياغة الأسئلة الكبرى المرتبطة بالديمقراطية.
وأشار إلى أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تحليل، بل أصبحت فاعلاً مؤثراً في تشكيل السلوك الانتخابي، من خلال قدرتها على توجيه الرسائل السياسية واستهداف الناخبين بدقة، وهو ما يفتح نقاشاً عميقاً حول حدود هذا التأثير، ومدى توافقه مع مبادئ الحرية والاختيار.
في قلب هذا اللقاء، قدّم الدكتور سفيان مسرار عرضاً علمياً معمقاً، تناول فيه التحولات التي مست الأنظمة الانتخابية على الصعيد الدولي، مبرزاً كيف أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي تُستخدم في تحليل المعطيات الضخمة، واستشراف السلوك الانتخابي، وبناء استراتيجيات تواصل قائمة على الاستهداف الدقيق.
وسلط الضوء على الفرص التي تتيحها الرقمنة، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الشفافية وتحسين تدبير العمليات الانتخابية، معتبراً أنها قد تشكل رافعة حقيقية لتجويد الأداء الديمقراطي إذا ما تم توظيفها بشكل مسؤول.
غير أنه في المقابل، حذّر من الانزلاقات المحتملة، وعلى رأسها خطر التضليل الرقمي، واستغلال البيانات الشخصية بشكل غير مشروع، إضافة إلى إمكانية التأثير غير المباشر على اختيارات الناخبين، داعياً إلى إرساء منظومة قانونية وتنظيمية قادرة على مواكبة هذه التحولات.
وعرفت الندوة تفاعلاً لافتاً من طرف الحضور، حيث تحولت إلى فضاء مفتوح للنقاش وتبادل الآراء، من خلال مداخلات نوعية وتساؤلات دقيقة عكست إدراكاً متزايداً بأهمية الموضوع، وبحجم التحديات التي تفرضها الثورة الرقمية على العمل السياسي.
واختُتمت أشغال هذا اللقاء في أجواء إيجابية، طبعها إجماع على أهمية مواصلة هذا النوع من المبادرات الفكرية، التي تساهم في تعميق النقاش العمومي حول قضايا راهنة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وأكدت مخرجات الندوة أن مستقبل الديمقراطية لم يعد منفصلاً عن التطور التكنولوجي، بل أصبح رهيناً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات على تأطير هذا التحول، بما يضمن توظيفه في خدمة الشفافية، وصون الإرادة الشعبية، وتعزيز الثقة في المسار الانتخابي.
وبهذا، يرسخ هذا الموعد مكانته كإحدى المحطات الفكرية التي تعكس وعياً سياسياً متقدماً بضرورة مواكبة تحولات العصر، والانخراط المسؤول في صياغة ملامح ديمقراطية رقمية متوازنة.













