
محمد سعيد الأندلسي
في زمنٍ صارت فيه الكلمات تُستهلك أكثر مما تُعاش، وتُقال أكثر مما تُفكَّر، تبرز اجليد وفاء كصوت إبداعي يكتب لا لملء الفراغ، بل لكشفه. تكتب لأن الصمت لم يعد كافياً، ولأن اللغة، حين تُحمَّل بأسئلة الوجود والعدالة والذات، تتحوّل من مجرد وسيلة تعبير إلى فعل موقف.
وُلدت اجليد وفاء بالعاصمة المغربية الرباط، مدينة التناقضات الهادئة، حيث يجاور التاريخُ السلطةَ، وتطل الذاكرة على بحر لا يكفّ عن التذكير بالرحيل. في هذا الفضاء المركّب، تشكّلت علاقتها المبكرة بالكلمة، لا بوصفها زخرفاً لغوياً، بل باعتبارها أداة للوعي ومساءلة العالم.
تنتمي اجليد وفاء إلى جيل يرى في الإبداع فعلاً معرفياً لا يقل عمقاً عن الفلسفة أو القانون. فاختيارها التكوين الحقوقي لم يكن خياراً مهنياً محضاً، بل امتداداً لرغبة داخلية في فهم العدالة، والبحث عن التوازن بين النص والإنسان. هكذا، تلتقي الكتابة عندها بالقانون في نقطة واحدة: الدفاع عن الكرامة الإنسانية، كلٌّ بلغته الخاصة.
في تجربتها الشعرية والزجلية، تحضر الكلمة باعتبارها كائناً حيّاً، ذا ذاكرة وحساسية وموقف. فهي شاعرة وزجالة لا ترى تناقضاً بين الفصيح والدارج، بل تعتبرهما مستويين متكاملين للتعبير عن الوجع الإنساني والأسئلة الكبرى. الزجل، في نصوصها، ليس خطاباً مباشراً أو سهلاً، بل ممارسة فكرية بلسان اليومي، تنقّب في الهامش وتعيد له قيمته الرمزية.
إلى جانب فعل الكتابة، تنخرط اجليد وفاء كـ فاعلة جمعوية ومؤطرة تربوية، انطلاقاً من إيمانها بأن الثقافة مسؤولية وليست امتيازاً. فالكلمة التي لا تُشارك، تفقد أثرها، والمعرفة التي لا تُنقَل، تتحوّل إلى عبء صامت. من هنا، يصبح حضورها في الحقل الجمعوي امتداداً طبيعياً لمشروعها الإبداعي.
شاركت في عدد من الملتقيات والمهرجانات الأدبية، وحققت مراتب أولى في مناسبات متعددة، خصوصاً في فن الزجل، حيث راكمت تجربة متميزة بصوت خاص وأسلوب واضح. غير أن التتويج، في مسارها، لا يُقاس فقط بالجوائز، بل بالقدرة على خلق أثر فكري وجمالي، وفتح نقاش حول معنى الكتابة ودورها في زمن السرعة والسطحية.
في رصيدها الإبداعي، أصدرت عملين في النثيرة:
أغنيات أحفظها عن الملائكة، حيث تتقاطع الروحانية بالهشاشة الإنسانية، وتتحوّل القصيدة إلى همسٍ بين الأرض والسماء.
ووُلدت في ظهيرة الضجيج، وهو نص يولد من رحم الفوضى، ويؤسس لذاتٍ تبحث عن صوتها وسط عالم مكتظ بالأصوات.
كما تستعد لإصدار عملها الثالث في النثيرة بعنوان «صافلو»، الذي يوجد حالياً قيد الطبع، ويُنتظر أن يشكّل محطة جديدة في مسارها التأملي. وفي مجال الزجل، أصدرت ديوان «نڭول كلمتي»، عنوان يحمل إعلاناً واضحاً: الكلمة حق، والقول موقف، والصمت ليس دائماً فضيلة.
تجربة اجليد وفاء هي، في العمق، تجربة امرأة تكتب كي تفهم، وتفهم كي تواصل الكتابة. لا تبحث عن اليقين، بل عن الأسئلة التي تجعل الوجود أقل صمتاً، وأكثر إنسانية. وبين الشعر والزجل، القانون والوعي، الفرد والجماعة، تواصل بناء مشروع إبداعي يرى في الكلمة إمكانية للنجاة، وفي الكتابة شكلاً من أشكال الحرية.



