
بقلم / أمال أغزافي
في زمن تتسارع فيه الكتابة وتبهت فيه الأصوات المتشابهة، يطل اسم يسرى القسمي الطويل كاستثناء هادئ، يحمل نبرة مختلفة تنبع من عمق التجربة وصدق الإحساس. من مدينة المضيق، تخرج هذه الكاتبة الشابة إلى القارئ العربي بعملها الأول “عُسرٌ ويُسر.. حكمة النقيضين”، الصادر عن دار الخيام للنشر والتوزيع، لتعلن عن بداية مسار أدبي يتأسس على التراكم لا الصدفة.
لا يمكن قراءة هذا الإصدار بمعزل عن الرحلة التي سبقته. فقبل أن ترى نصوص يسرى النور في كتاب، كانت تتنفس في فضاء رقمي مفتوح، حيث اختارت منصة “إنستغرام” لتكون نافذتها الأولى نحو التعبير. هناك، لم تكن مجرد ناشرة خواطر، بل قارئة متفاعلة، تعيد تفكيك النصوص، وتعيد صياغة المعنى بلغتها الخاصة، في تدرّب يومي على الإمساك بالكلمة الدقيقة.
هذا الاشتغال المستمر على الذات واللغة، حوّل النشر الرقمي إلى تمرين حقيقي على الكتابة، وإلى مختبر لصقل الأسلوب واختبار صداه لدى المتلقي. ومع مرور الوقت، لم تعد تلك الخواطر مجرد شذرات متناثرة، بل نواة مشروع فكري وروحي، نضج ليأخذ شكله النهائي في عمل أدبي متكامل.
تنتمي يسرى إلى خلفية أكاديمية دقيقة، إذ حصلت على ماستر في قانون الأعمال من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان. غير أن اللافت في تجربتها ليس هذا التكوين في حد ذاته، بل قدرتها على التوفيق بين صرامة التفكير القانوني وانسيابية التعبير الأدبي.
هذه الازدواجية منحت نصوصها توازناً واضحاً: أفكار منظمة لا تخلو من عمق، ولغة شفافة لا تفقد قوتها. فهي لا تكتب بدافع البوح فقط، بل بوعي داخلي يوجه المعنى ويضبط إيقاعه.
لا يقدم هذا الكتاب مجرد خواطر عابرة، بل يطرح رؤية قائمة بذاتها، تتأسس على فكرة مركزية: أن الحياة لا تُقرأ من زاوية واحدة. فالعسر ليس نهاية، بل وجه آخر لليسر، والضيق ليس انغلاقاً، بل بداية تحول.
تكتب يسرى من منطقة قريبة من الإنسان، من لحظات ضعفه وتردده، من أسئلته الصامتة، لتعيد ترتيب هذا الداخل بلغة تميل إلى الصفاء والإيمان. في نصوصها، لا يظهر الألم كحالة نهائية، بل كمرحلة عابرة تحمل في طياتها إشارات للنجاة.
الكتاب، بهذا المعنى، ليس فقط تجربة قراءة، بل مساحة تأمل، ورسالة موجهة لكل من يبحث عن توازن داخلي وسط فوضى الواقع.
تمثل يسرى القسمي الطويل نموذجاً لكتابة جديدة لا تستعجل الاعتراف، بل تبنيه تدريجياً. هي من ذلك الجيل الذي لا يفصل بين المعرفة والشعور، ولا يرى في الأدب مجرد ترف، بل وسيلة للفهم والتعبير.
في عملها الأول، تضع الكاتبة قدمها بثبات في عالم الكتابة، مقدمة نصاً صادقاً، خالياً من الادعاء، ومشحوناً برغبة واضحة في الوصول إلى القارئ.
“عُسرٌ ويُسر.. حكمة النقيضين” ليس فقط بداية، بل وعد بمسار أدبي قابل للتطور، يحمل في جوهره فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن النور، مهما تأخر، يظل ممكناً.
#يسرى_القسمي_الطويل، #عسر_ويسر، #الأدب_المغربي، #كاتبة_مغربية، #خواطر، #كتب_عربية، #تطوير_الذات، #أدب، #إبداع، #ثقافة، #Moroccan_Writer، #Arabic_Books، #Self_Development، #Inspiration



