ثقافة وأدب

“خلف جدار الذاكرة”: سردية منذورة النزيف

عبر ثاني إصدار قصصي له، يطالعنا المبدع الشاب سفيان البرّاق بمنجز سردي يضم بين طياته إحدى عشرة قصة قصيرة تخون بسحر الواقعية بياضا وعلى امتداد ثمانين صفحة بالتمام والكمال.
تأتي المجموعة ضمن منشورات جامعة المبدعين المغاربة لهذه السنة 2018 لتلفت الأنظار إلى قيمة حاضنة جديدة تعنى بالأقلام الشابة وتحتفي بالأصوات القوية الواعدة.
تتنوع عناوين ومضامين هذه الرّسالة الوالجة في دواليب النمط السردي ،مخاتلة بإحدى عشرة وصية حكيمة أفرزها اختمار تجربة معينة، فتراختْ وتدلّتْ منها المواقف الواعية تشفّ عن جوهرها خلفية ذاكرة مثقوبة لحالة إنسانية لامّة في محيط عربي ممتدّ، تتقاذفها منظومة من التقاطعات التي تثوّر نقاطها الأقصى توغلا في جيوب الظلمة الحياتية والغيرية والكونية،نفشات الحكاية المطرزة بالمعنى القريب جدا ،زاخرة بشعرية مقتصدة معبّدة لطريق إفشاء المكابدة والإفصاح عن رفّ تواجد مفاتيح العديد من المعادلات الإنسانية التي قد تتشظى عنها أسئلة وجودية جمّة ،تستجيش قلق وشك قاص ضليع ومطّلع على هذه شاكلة ومن هذا الطراز.
الكاتب وإن استفتح سرديته المتراصة بعتباتها الموحية والمستفزة، باعتماد أقوال خالدة جرت على ألسن بعض رموز الأدب، كالأثر الذي ساقه عن عبد الرحمن منيف: “الذاكرةُ لعنة الإنسان ولعبتهُ الخطرة ،إذ بمقدار ما تتيح له سفرا نحو الحرية،فإنها تصبحُ سجنه،وفي هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام”.
أو ماهو من بنات حلق القاص ذاته لكن وفق ما يسبح موازيا لتيار المعاني الدامغة به أدبيات منيف:”الذاكرة وهم ينطلي عليك”.
هكذا فالسرديات خصوصا والكتابة عموما إن انجذبت برغم توفّرها على أجنحة تتيح لها التحليق عاليا، أنأى ما يكون في رحم الآفاق المفتوحة ،وسلّط عليها ما يشبه مغناطيس جذب يستقطبها إلى واقع سحري يغلي من ثقل تضارباته وفوضاه واضطراباته ودمويته وأحلامه كما آلامه، لا يعدو كونه كتابة وهم تهشّ بفلتات ذاتية للمحو والنسيان بما هو ضامن أو راع لتحبير يغتصب بياضات أو فراغات الذات القلقة الشكّاكة، وقفا على ترتيب مشهدية جديدة ملائمة ومستجلبة لراهن موازنة تزدان به اللحظة الهاربة أيضا فيما يتفرّع عنها من ذاتية وغيرية وكونية إجمالا.
تقارب قصة ” موت بطيء” راهننا الصحي المأزوم، مفاخرة بشخوصها الشمعية المنصاعة لهجير التقليد والعرف والثقافة النمطية المكرورة ، مسلمة بكهذا واقع يجور على عقل وجسم وروح المواطن العربي ، ويعبث بصفحات وجوده ، حيثما حلّ وارتحل، يحرّكه ملتذا ومتطاوسا بلعبة الدمى، داخل ركح الأحداث المرّة الشامت بتفاصيل الجنائزية والكابوسية التي تختلط من خلالها على هذا الكائن ” العدمي” المسحوق والمقهور جملة وتفصيلا، وتستبد بها تماوجات هواجس الحق والكرامة وأحاسيس الانتماء،داخل حدود عالم مفتوح على الناشئة.
في موضع يقول القاص: “أنت الآن آلة معطّلة ،رميّت بعد طول وسوء استخدام.أنت الآن، بأنفتك وكبريائك،تطلب من صغيرك بخوف واحترام أن يساعدك على حلاقة ذقنك، بأن يقبض أمامك المرآة الصغيرة التي في بيتك. أما حين تريد أن تقضي حاجتك ،فتلك مأساة أخرى يعلم الله كم أحسست معها بالضعف والخذلان… وما أكثر مآسيك.”.
نعم هي سياقات خطابية حجاجية تصف دون أن تصدر الأحكام، وهو صلب اللعبة السردية المنذورة لفصول استغراق الميتا تفاصيل، أو الانطلاق من قلب ما في أقل من نثار الحياتي من دقّ ومجهري قابل للتفجير.
تباهي المجموعة بخيوطها الناظمة لأحداث تمرّغ الشخوص وتبرزهم حسب الأهمية والقيمة الوجودية، مانحة إياهم اللبوس القناعي المتماهي وإرهاصات اللعبة السردية إجمالا، تسبر وتستغور الكينونة المثقلة بعار الطابو، على مختلف أوجه ارتباطاتها بالعالمية والغيرية، إن تكميلية أو تنقيصا، مدججة بتوليفة قادرة على زفّ المفارقات والأضداد في طبق حكائي واحد أقرب إلى ملمح التصوف ،منه إلى التوجه الجاف المباشر الذي قد ينتصر للمادية الصلفة.
يقول في موضع آخر من نص ” أحلام مراهق” :[ومن أعجب الأمور التي رآها مصطفى في تلك المقهى هو جماعة من الشباب لا زالوا في عنفوان شبابهم،يرتادون المقهى ويلعبون النرد ويناقشون القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.يحتسون الشاي والزنجبيل.وكانوا كبقية رواد المقهى ينحدرون من الطبقة الكادحة،لكن معرفتهم وثقافتهم أخذتهم إلى أعلى المراتب.].
سردية تمجّد المعرفة والثقافة الصاقلتين لروح الكائن البشري المحاصر بويلات الإيديولوجية و الغبن العاطفي والجلد السياسي.
تضيء المشهد بهذه الخلطة التي تستنطق ما هو اجتماعي وسياسي واقتصادي، منحازة بالنهاية لصالح إنسانيتنا المهدورة ،إذ نسعى إلى رتقها ولملمتها بالممارسة الإبداعية المتصادية و نزيف نريده في تلكم الذاكرة المنبعثة من رماد أخطاء قاتلة ومعاودة ظهورها فينا، ألفنا بكل وقاحة أن نترك وظيفة امتصاصها وتجفيف عارها لأسفنج التاريخ ،ما يجعلنا على مرّ الزمن نختنق بنتانة اللجوء إلى أنصاف الحلول والمعالجات الترقيعية.
في نص ” ذاكرة الحب ” يقول: [ كانت جميلة ،وجهها بشوش،وشفتان قرمزيتان،وشعر أسود ناعم، فهي المغناطيس الجذاب الذي يستهوي قلب الناظر إليه وعقله وجميع حواسه ومشاعره، هي الوردة الناعمة التي تكمن حية الحب السامّة بين أوراقها،من رأى ابتسامتها رأى الكمال الإنساني كلّه رغم الإعاقة.].
ويقول في قصة ” نزيف الذكريات” : [ ألححت عليه كثيرا بإخباري عن سرّ الحقيقة التي وجدناها في المقبرة، تفادى إجابتي،ولكنني كنت أمشي أمامه ذهابا و جيئة، بعد إلحاحي ذاك الذي أزعجه، أخبرني أن “ديفيد هانوفيتش” كان يساعد القوات الروسية في قتل الصربيين والاستحواذ على أراضينا، كان يتحدث والدموع تنهمر من عينيه، حب الوطن هيمن عليه كثيرا .لكن في خطأ ارتكبه بعدم إخبارهم عن قتل جنود روسيين، ثم قتله مع سبق الإصرار والترصّد.

ضمن حدود كتابة شفافة مراوغة بدوال العوالم المشحونة ب” الميتا تفاصيل” أو ما في قلب التفاصيل الصغيرة من تفاصيل أدقّ وأبلغ وأعمق، شاردا بشخوصه ما بين المتاهات البرزخية الطافية بأحداث متضاربة مثلما ترسم ملامحها هُجنة الراهن العربي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.
تنطلق في الغالب من صور الألم الخاص لتذوبه حسب تسارع الأحداث وتفاوت درجات حضور الشخوص وتداخلات الأزمنة والأمكنة، فتنقعه في رحيق الحالة الإنسانية اللامّة والجامعة.
وإذن… بمثل هذا المزج يقفل سفيان البراق مجموعته، في طرح يتمثل الكوميديا السوداء،نطحا بتعاليم نبذ ثقافة السائد، وموجعا بتقليب وعرض صفحات غبن الأبوة والأمومة على حد سواء، هدْلا أقرب ما يكون إلى المناحة الوجودية إذ تضخ في تخشب وإسمنتية الآني، بعضا من مرارة الكينونة في انتمائها الإنساني الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق