ثقافة وأدب

ديهيا لويز… كاهنة الحلم حيثما أقام الموت !

هدى درويش

هل كانت الكاتبة  الجزائرية الراحلة ’’ ديهيا لويز ’’ تقصد اختيارها حين استوحت لآخر أعمالها الروائية عنوانا من سيرة  امرأة ملغمة  بالشغف و الجرأة و المغامرة و هي الروائية و كاتبة المقالات الانجليزية المعاصرة ’’ فيرجينيا وولف ’’ ؟؟ …و هل كانت تقصد أن ترتكز أعمالها على المثلية و النسوية والجنس و الشجن تماما مثلما رسمت الكاتبة البريطانية لذاتها الروحية و الحبرية طريقا أودى بها من طفولة ’’ 22 بوابة الهايد بارك’’ الى ’’ نهر أوس’’ و تماما مثلما  خرجت ’’ ديهيا ’’ من قرية ’’ اغزر أمقران ’’ و عادتْ اليها في آخر و أصعب لحظات المرض و الفراق و الموت و كأنها تشبه تلك البلدة المنسية شرق ساسكس … ما زلتُ أتساءل كثيرا كيف استطاعتْ ’’ مريم’’ الأمازيغية بطلة روايتها المشي قدما خطوة بخطوة مع ’’ كلاريسيادالاواي’’ و كيف استطاع التاريخ أن يستنسخ نفس الذاكرة المرهقة   , نفس خيبات الوطن و شقاق العائلة ؟؟ كيف استطاع الليل أن يكون طويلا بذات النفس و مريرا بذات الطعم و بطيئا بذات الايقاع …! 

كان يوما ممطرا و شاحبا حين ابتدأت التأريخ لجسد يسكنها و حملت  ملخص  ورقها’’ جسد يسكنني’’ و جاءت تمشي الهوينا الى أن التقينا صدفة في دار نشر صغيرة بمدينة بجاية العريقة , مدينتها الأم , عام 2011 و كنّا كاتبتين حالمتين في بداية مشوارهما و كلانا لم تعرف الاخرى … و تحدثنا في لحظة هاربة … و ظل العمر مخطوف الأمل … و ظلت النهايات دوما قريبة , و شعرتُ منذ أن نزل خبر رحيلها بعد صراع مع مرض السرطان في الثلاثين من جوان | يونيو الماضيقبل عام من هذا أنني لابد أن  أظّل اقاوم بشاعة العيش دوما بذكرى ذلك اللقاء و شعرتُ بفراغ رهيب لروح سكنتني طيلة الفترة التي قرأتها بها كما سكنتْ قارئها حتما منذ أن طابقتُ للوهلة الأولى  بين ذلك المعطف الرمادي الذي كانت تحبذ ارتداءه و المعطف الذي ملأتْه فيرجينيا بالأحجار و سلّمتْ من خلاله جيدها الى أحبال الزمن القاسي و القدر الغريب … 

تشترك جل أعمال ’’ ديهيا لويز ’’ في أنها تتناول ما عاشته منطقتها الجغرافية خصوصا الفترة التي عايشتها بوعي هي و أبناء جيلها من مواليد 1985 و على رأسها ’’ الربيع الأمازيغي ’’ و اتقانها للغتين العربية و الامازيغية معا ساعدها كثيرا في خلق مدرسة كتابية جديدة لا تكاد تخرج عن ملامح أناملها و كأنها بطاقة فنية خاصة بها و رغم الكثير من الدراسات المقارنة بينها و بين كتابات الأمازيغي الراحل ’’ مولود معمري’’ الا أنها ظلت تتفرد كلما طلّت بحبكة روائية تحلق بها بعيدا عن سرب ما هو موجود قبل هذا على رفوف المكتبة الجزائرية بتاريخها الكبير و كانت مجيدة مقّلة تنتقي بدقة القضايا الشائكة و تلقي عليها أضواء الحقيقة العارية دون تحفظ , دون شكليات , و بعيدا عن بوادر الاطمئنان تعالج الوجع الانساني و تقاتل بجديلتين لا يكفّ المجتمع عن حرقهما , و لا يتجزأ قلمها عن تائها الأنثى التي تسبح عكس تيّار القوى الأزلية المعادية التي تحاول أن تضع لها مكانا في سلة المهملات عمدًا أو لا شعوريا و حتى ’’ ديهيا ’’ المقاتلة لم تسلم من محاولات النقد السلبيّة التي ما فتئت تجرها الى الجهوية و العنصرية و العرقية المثارة في الجزائر منذ عشرات السنين بين أعراق العرب و الأمازيغ الا أن قلمها انتصر على كل النقاد و التسويقيين و الهجوميين لمواقفه الصائبة ورصانته و التزامه و قوته و توازنه و رقيّه موسيقاه الابداعيةو فازت بحبّ القارئ .

’’ ديهيا لويز ’’ و كأنها حجر ثقيل هادئ , هي زنارة الصمت التي ألبستْ الأدب الجزائري قبعة المجد ثم رحلتْ و تركت فينا خلافة أسرار النور و مسابح الأمل , فخورة أنا اليوم كالكثيرات من مواطنات ’’ ديهيا لويز ’’ و نحن ننتصر معها  للجندرية  الأنثى في صورتها الجميلة و نواصل المشوار الأبدي من بعدها و سنظل نهديها كتاباتنا و نجلس مع ذكراها في صدر الشمس كقطرة زئبق , و نواصل أيضا رحلة الانفصام و الانهيار و النوبات و نعيش الاضطراب في كل مرةّ و كأنها المرة الأولى و نظلّ بحاجة الى غرفة مستقلة ننعزل فيها  كي نقذف الذات الى مهرب الحرف  بلا رجعة و كي نمنح الأمل فرصة متكررة في الخوض في الأوقات الرهيبة و الجنون و المقاومة بحثا عن سعادة غامرة و نذكر ’’ لويزة أوزلاق’’ كلما فقدنا القدرة على التركيز , و نظل ننتهج طريقا واضحا في مخاطبة و الهام النسوية مهما اختل تكافؤ الصلاحيات الاقتصادية و الاجتماعية و نقدم لوحات تعريفية باسم الزمكان الشاهد على  ألوان الوجع  و الحلم و  الثورة .  

لا تسعى أبدا لتبرير صواب الأفعال , أحداث الغد لا تسعفها في انتظار رزنامة حرب اليوم , محركها الاساسي هو طبيعتها الجوهرية الطيبة , تعلمتُ من كتابات ’’ ديهيا لويز ’’ رغم حداثة تجربتهاالابداعية أنه لا يمكن لغير الجزائري أن يفهم معنى أن ’’ تكون جزائريا’’  , أن تشعر بكينونة الهوية  الشائكة ’ أن تلتقي فيك المتناقضات و تتعايش و تتركب  و أن تصارع اقصاء الوجودية بمسحة حزنٍ  و ضعف اختياري  تتكبر به على تعسفية الحياة و كل هذا قضته في صمت , لغة الصمت قوية لديها , تتدفق كشلالات و الكتابة كانت لديها رحلة اكتشاف و متعة و تحرر من خزانة ذكريات مثقلة بالوجوه و الغبار و المرايا و الأمكنة و الفراغات 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق