ساعة ساحة فرنسا: عمر قصير .. وحضورٌ في الذاكرة أثير 1951 – 1974

د. رشيد العفاقي

في طنجة أماكن تكاد تكون معروفة لجميع سكان المدينة، بحكم موقعها في وسط البلد أو في أحد أركان القطب الحيوي الذي تتردد عليه معظم الساكنة لقضاء أغراضها اليومية. وكانت بعض هذه الأماكن مشهورة بمعلمة تميزها. وفي طنجة معالم كثيرة لا يزال القدامى من أهلها يتذكرون هيئتها وشكلها وبعض تفاصيلها، كما أن الأجيال الجديدة التي لم تدركها على قيد الوجود يمكنها أن تتعرف عليها من خلال الصور القديمة للمدينة، مثل ساعة ساحة فرنسا، وتمثال علي باي، وسقّاية الجوطية، والنجمةالتي صُنعت مع بداية عهد الاستقلال وكان صانعها إيطالي له ورشة نجارة بالمدينة، وقد نصبت في ساحة الأمم أوّلا قبل أن تُحَوَّل لاحقافي نفس الجادةإلى الأسفل من موضعها بنحو 900 متر (ولست أتحقق هل هي نفسها أم أنها عُوّضت بنجمة أخرى)، ومن تلك المعالم الخصّة الأندلسية الجميلة بالسوق البراني. وجميع المعالم المذكورة زالت ولم يبق لها اليوم أي أثر، ولكن بعضها لا يزال يستفز الذاكرة ويدعو لإحياء سيرته من خلال الصور والنصوص والوثائق كساعة ساحة فرنسا التي نخصّها بهذه المقالة.

والشائع في اسمها هو: المݣانة د ݒلاص دو فرانس (Place de France). والطنجيون والمغاربة عموما يطلقون على الآلة التي تعيّن الوقت اسم المݣانة (وترسم أيضا بصيغة المجانة، بجيم معقودة)، وهو اصطلاح أندلسي قديم، والأصل فيه هوالمنجانة، أسقطت النون لأنّ اللسان يطلب الخفيف من اللفظ، ولابن الخطيب الغرناطي أشعار كثيرة في آلة الوقت المسماة المنݣانة.

عرفنابعد البحثأنّ حكاية مݣانة ساحة فرنسا بدأت كفكرة أو مشروع زمن الإدارة الدولية لمدينة طنجة مع مطلع العام 1951م، بل قبل هذا التاريخ بشهور، وأنّ مجلس الإدارة أحجم عن الاستجابة لمطلب الساعة الذي تقدمت به نخبة من الطنجيين (وهم في غالبيتهم من الأوربيين). لكن في بداية العشر الأواخر من شهر فبراير عام 1951م خرجت الفكرة إلى العلن ودخلت حيز التطبيق بعد أن اكتملت عناصر المشروع الذي كان يراد لطنجة منه أن تكون لها ساعة تعرف بها ليلها من نهارها، ووقتها الذي انقضى، وزمنها الآتي والمتبقي في قضاء الأغراض والأشغال التي لا تنتهي في مدينة لا تتوقف حركة ساكنتها كبقية عواصم أوربا في فيينا وبرلين وباريس ومدريد ولندن وروما. وفي أسبوع تنصيبها في ساحة فرنسا كتبت جريدة كوسموبوليس (Cosmopolis) في عددها الصادر يوم الأربعاء 21 فبراير 1951م مقالا حمل عنوان: “طنجة صارت تمتلك ساعتها” (Tanger ya tiene hora)، فيما يلي نصّه (بتصرف طفيف):

كانت طنجة مدينة بلا ساعة. وإنه لمن الصعب حقًّا أن تسافر حول العالم وتجد مدينةً يكون العيش فيها أكثر تعقيدًا كمدينتنا وسكانها ذاهلون عن معرفة الوقت. وكغيري، لم أرَ الساعات في الساحات أو على المباني العامة. ولم تكن هناك وفرة من المؤسسات التجارية التي تمتلك ساعة أمامية على الشارع، إلّا مؤخرا، حيث ظهرت بعض المقاهي وهي استثناء نادر لهذه القاعدة العامة. ففي ساحة فرنسا، يوجد أشخاص عابرون يرغبون في معرفة الوقت الذي يقضونه في مطعم براسري دو فرانس أو مقهى دو باريس.

لقد أدى تثبيت ساعة في هذه الساحة، التي باتت الآن قلب المدينة الاستراتيجي، إلى الحج إليها من طرف أكبر عدد من السكان الحضريين. ثمة دافعٌ وراء ذلك، فهي ثمرة سنواتٍ من النقاشات والدراسات والمحاضرات. حتى إنّ المجلس التشريعي والإدارة اهتما بالأمر ثم تراجعا عنه. ويظهر أنّ تركيب وتشغيل ساعة في ساحة فرنسا تكمن مشكلته في ضمان استمرارية رعاية نظامها الإلكتروني بدون انقطاع. وسواء كان الأمر صعبًا أم لا، فإن ساحة فرنسا، ومعها مدينة طنجة، هي التي تُهديكم اليوم هذه الساعة.

أرغب في التنويه بجودة وأهمية صناعة الساعات السويسرية العريقة، وأعني شركة كورطبير للساعات (Cortébert Watch Co.). ولأن كورطبير (Cortébert) لم تجد حلا لتلك المشكلة المستعصية فقط، بل إنها تبرعت بساعة لمدينة طنجة، صُمِّمت وصُنعت خصيصًا لها على يد فنيين يعملون في شركة هذه العلامة التجارية السويسرية الشهيرة. إنّ قصة هذه الساعة ينبغي توثيقها في سجلات المدينة، مع مراعاة الظروف التي أحاطت بهذا الحدث الذي سيكون مثيرًا للاهتمام لمن سيخلفوننا، وسيسهل على من يرغب في معرفة كيف ولمن يمتلكون هذه الساعة المميزة. وهنا يتوجّب توجيه الشكر إلى السيد هيرشنفيلد (Herszenfeld)، مُمَثِّل علامة كورطبير (Marca Cortébert) التجارية المرموقة في طنجة“.

وللمقال بقية يسيرة، وقد اكتفيت منه بما تقدّم، وتكمن أهميته في أنه يؤرخ لميلاد علامة تجارية ومعلمة فنية في مدينة طنجة.

وخلال 23 سنة من العيش الكريم الهني، وسط فدرالية هويات وقوميات ومنظر على البحر، كانت مڭانة ساحة فرنسا شاهدة على صباحات مشرقة تعرفتْ فيها على وجوه طيبة تسعى إلى كسب الرزق الحلال، كما كانت حاضرة في أماسي زاهيات وليالي صاخبات. ولكن بعد نحو 18 سنة من عهد الاستقلال قرر أهل الحل والعقد إزالة مڭانة ساحة فرنسا وتغييبها من المشهد العام للمدينة، وكما هي حالة الاختفاء القسري للحَجَر كما البَشَر في ذلك العهد لم يُقَدَّم أيّ تفسير لهذا الحادث ولا بقي أثر للواقعة في الأرشيف وعلى الأوراق، إلّا ما كان من خبر قَيَّد الحادث ضد مجهول، نشرته جريدة طنجة (Journal de Tanger) في أحد أعدادها لسنة 1974م. غير أنّ بعض العارفين بخبايا الأمور يذكرون أن المڭانة اقتُلعت بأمر الذي ما كانت عيناه تقع على تحفة أو قطعة فنية إلّا وحازها لنفسه، واستولى عليها، وجعلها ملكا من ممتلكاته، والطنجيون الذين أدركوا هذه الواقعة يتداولون قصصا في شأنها، ويترحمون على أيام المڭانة التي كانت تضبط وقتهم السائل .. هذه هي قصة الساعة السويسرية التي سكنت مدينتنا ذات زمن ثم مضت إلى مصيرها المجهول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى