
محمد سعيد الاندلسي
ليست المعرفة تراكُمًا للمعلومات، بل علاقة إنسانية عميقة تُبنى على الثقة، ويُعاد إنتاجها عبر الأثر. وحدهم الذين يمتلكون القدرة على الجمع بين العلم والإنسانية، بين الصرامة والتواضع، ينجحون في صناعة الاحترام الحقيقي. في هذا المعنى، لا يُذكر اسم الدكتورة جميلة العماري داخل الجامعة وخارجها إلا مقرونًا بالمحبة، تلك المحبة التي لا تُشترى بالمناصب، بل تُكتسب بحضور صادق، وبمسار يضع الإنسان في قلب المعرفة.
تحظى جميلة العماري بشعبية واسعة وحب كبير من طرف الجميع، لا لأنها أستاذة متمكنة فحسب، بل لأنها شخصية تفرض الاحترام بعلمها، وبأخلاقها، وبتواضعها الذي يجعل القرب منها ممكنًا دون أن يفقد العلم هيبته. فهي تؤمن أن الأستاذ الحقيقي هو من يُعلِّم دون أن يُشعر الآخر بصغره، ومن يقود دون أن يستعرض سلطته.
داخل المدرج الجامعي، تتحول العلاقة بين الأستاذة وطلبتها إلى شراكة فكرية وإنسانية. كل طلابها يحبونها، ويحرصون على حضور دروسها، لا بدافع الالتزام فقط، بل شغفًا بالاستماع إليها، ورغبة في الارتواء من نبع علمها المعرفي. كانت دائمًا حاضرة بينهم، منصتة لأسئلتهم، قريبة من هواجسهم، ترى في الطالب مشروع إنسان قبل أن يكون رقماً في لائحة.
ولعل أكثر ما يميّز الدكتورة جميلة العماري هو بعدها الإنساني العميق؛ فهي طيبة، حنونة، أمٌّ لجميع الطلبة، لا تفرّق بينهم، ولا تميز إلا بالاجتهاد والالتزام. تنظر إليهم كأبناءٍ من كبدها، ترافقهم علميًا وإنسانيًا، وتؤمن أن التربية الحقيقية تبدأ بالاحتواء قبل التوجيه.
هذا الحضور الإنساني لم يُضعف صورتها الأكاديمية، بل عزّزها، وجعل منها مرجعًا علميًا وشخصية قيادية وازنة. فقد استطاعت، من خلال مسارها الأكاديمي والإداري، أن تُسهم بفعالية في رفع منسوب الوعي داخل الجامعة وخارجها، وأن تكون من أوائل النساء القياديات بمدينة طنجة اللواتي عرفن كيف يصنعن التأثير الهادئ والعميق في آن واحد.
وفي مدينةٍ تتقاطع فيها التحديات الثقافية والمعرفية، برزت جميلة العماري كامرأة قيادية تعرف أن صناعة الأجيال القادمة لا تتم بالخطاب، بل بالمثال. فهي لم تكتفِ بتدريس القانون، بل درّست القيم، ولم تكتفِ بإدارة المواقع، بل أدارت الثقة والمسؤولية، واضعة نصب عينيها بناء جيل واعٍ بدوره، مدرك لحقوقه وواجباته.
إن الكتابة عن الدكتورة جميلة العماري ليست مجرد بورتري لشخصية أكاديمية، بل هي شهادة على تجربة إنسانية وفكرية تؤكد أن الجامعة يمكن أن تكون فضاءً للعلم والرحمة معًا، وأن القيادة الحقيقية تبدأ حين يصبح الأستاذ صانع أثر، لا مجرد ناقل معرفة.



