الأسواق الشعبية… ذاكرة تنبض بعبق الحضارة في أيام الشارقة التراثية

تحت شعارٍ يفيض دفئاً وحنيناً هو *«وهج الأصالة»*، شهدت الدورة الثالثة والعشرون من **أيام الشارقة التراثية** ندوة فكرية حملت عنوان *«الأسواق الشعبية»*، أدارها الدكتور **عادل الكسادي**، وشارك فيها ثلة من الأكاديميين الذين أبحروا في التاريخ والاقتصاد والاجتماع، يستكشفون تحولات الأسواق التقليدية في مصر والخليج والبلقان، وكيف غدت مرآةً ناطقة لذاكرة المكان وروح الإنسان.

Screenshot


خان الخليلي… من قلب مملوكي إلى نبض عالمي

استهلّ الدكتور **يحيى محمد محمود** حديثه بورقته «خان الخليلي من سوق مملوكي إلى مزار سياحي»، متوقفاً عند المسار التاريخي لهذا المعلم الذي تجاوز حدود الزمان ليبقى مركز إشعاع حضاري منذ القرن الرابع عشر. أشار إلى أنّ السوق احتفظ بطابعه المعماري المهيب ووظيفته التجارية الأصيلة، قبل أن يتحوّل تدريجياً إلى وجهةٍ عالمية تنصهر فيها نكهة التاريخ مع إيقاع الحياة الحديثة.

وتناول الباحث القيمة التوثيقية للخان في عيون المستشرقين، متوقفاً عند لوحة الفنان **هيكي** التي خلدت تفاصيله الدقيقة وبواباته العامرة. ورأى في الخان نموذجاً مبكّراً لفكرة “المول التجاري” بمفهوم اليوم، إذ احتضن آنذاك سلعاً من شتى الأصقاع، محلية كانت أم وافدة. أما في بعده الإنساني، فظلّ المكان ملتقى للزعماء والمثقفين والسياح، فضاءً حياً تختلط فيه عبقات المقاهي القديمة بدفء الأسواق والحمّامات التاريخية، ليجسّد وحدة حضارية يعيش فيها الزائر لحظةَ الماضي في قلب الحاضر.

الميركنتيلية البرتغالية… احتكار البحر وزمن الضرائب

أما الدكتور **أدريان دي مان** فقد تناول في ورقته *«الأسواق والميركنتيلية أثناء الوجود البرتغالي»* ملامح النظام التجاري في الخليج خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، موضحاً أن البرتغاليين لم يأتوا بنظام مبتكر، بل سعوا إلى توسيع نفوذهم عبر سياسةٍ احتكارية صارمة، تُنظم كل إبحارٍ بتصريحٍ مدفوعٍ يُعرف بـ«الكارتاز».

وبيّن أن محدودية القوى البشرية دفعتهم إلى الاعتماد على مرتزقة من الهند وأفريقيا، الأمر الذي فتح باب الفساد والاضطراب الإداري، نظراً لتبدّل القيادات وتنازع المصالح. وأكّد أن قراءة تلك المرحلة لا تكتمل إلا من منظور الإنسان العادي: التاجر، والغواص، وسكان السواحل الذين صنعوا الحياة رغم القيود، لأنّ التراث في جوهره هو قراءة الحاضر بعين الماضي، واستحضار الماضي لخدمة الحاضر.

 أسواق البلقان… عمران الوقف وروح المكان

بدوره، استعرض الدكتور **مسعود إدريس** في ورقته *«الأسواق الشعبية في مقدونيا بين النشأة والواقع المعاصر»* جذور الأسواق في منطقة البلقان، مشيراً إلى أنّ نظام الوقف العثماني كان حجر الأساس الذي حوّل القرى إلى مدنٍ نابضة بالحياة منذ القرن الخامس عشر.

وبيّن أن مدناً مثل **سكوبيا** و**سراييفو** ما زالت تحتفظ بهويتها الوقفية الأصيلة، حيث تتجاور الأسبلة مع الخانات و«البازارات» المغلقة التي كانت شرايين الاقتصاد وموئل التبادل الثقافي. واليوم، تحوّل كثير من تلك المواقع إلى متاحف ومعارض، لكنها لا تزال تنبض بالحرف القديمة والنقوش اليدوية وصناعة النحاس والأقمشة، شاهدةً على روح الضيافة والهوية الثقافية التي لا يبهت لونها مع الزمن.

الأسواق… مرايا الإنسان ومسرح الذاكرة

اختتمت الندوة بمداخلاتٍ أغنت النقاش، قاربت بين المصطلحات التاريخية والتجارب المكانية، واستحضرت ذاكرة **منطقة الخان في الشارقة** كمحطة استراحةٍ للمسافرين القدماء. وتوافق المشاركون على أنّ **الأسواق الشعبية ليست مجرد فضاءاتٍ للبيع والشراء**؛ بل هي نسيج الحياة اليومية، ومختبر للتفاعل الإنساني والثقافي، وسجلٌّ مفتوحٌ لتحولات الهوية عبر العصور.

هكذا بقيت الأسواق — من خان الخليلي إلى بازار سراييفو — تنبض بروح الأمة، تحرس الذاكرة وتروي حكاية الإنسان في رحلة الزمن؛ لتظلّ جزءاً من «وهج الأصالة» الذي لا ينطفئ.

***

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى