
ابتسامة من تندوف… تُضيء شوارع لندن للكاتب محمد سعيد الاندلسي

لندن… المدينة التي تُرخي ضوءها البارد على الأرصفة المبتلة، حيث تتلألأ قطرات المطر وكأنها آلاف مرايا صغيرة تعكس أسرار الحياة. في إحدى الأمسيات، خرجت من قاعة شعرية تضجّ بالأصوات والقصائد، بعد إلقاء نصي الشعري بعنوان “العروبة تجمعنا”. بعد التصفيق وتسليمي شهادة المشاركة، خرجت بحثاً عن هدوء يتيح لي فرصة التأمل، فرصة لأستمع للمدينة وهي تتحدث بصمت. لم يكن ذلك مجرد شارع، بل فضاءً بين الواقع والخيال، حيث كل مصباح، وكل نافذة، وكل انعكاس على الزجاج، يهمس بفلسفة عميقة عن الزمن، عن انتظار وعن مرور اللحظة.
دخلتُ مقهى صغيراً يطل على الشارع. لم يكن مجرد مكان لشرب القهوة، بل كان مأوى للتأمل، مكاناً حيث يمكن للزمن أن يتباطأ للحظة، وتستطيع النفس أن تسمع نفسها بين ضجيج المدينة. الطاولات الخشبية القديمة تحمل حكايات جلسوا هنا قبلي، والضوء الصادر من المصابيح المعلقة يخلق شبكة من الظلال والانعكاسات على الزجاج، كما لو كانت كل لحظة تفكر في نفسها قبل أن تعبر إلى الواقع. جلستُ قرب النافذة أراقب المارة، أراقب المدينة تتحرك تحت المطر وكأنها لوحة حية، وكل شخص فيها جزء من فلسفةٍ أكبر، أكبر من أي قصيدة يمكن أن تُقال في أي قاعة.
وفي لحظة ما، لمحت مجموعة صغيرة تتقدم ببطء: رجلان وطفلة صغيرة تمسك بيد أحدهما. كانت الطفلة ترتدي لباساً صحراوياً تقليدياً بلون رملي دافئ، ينساب حول جسدها الصغير برقة، وغطاء خفيف يلتف حول كتفيها ورأسها. خيوط التطريز اليدوي على أطراف الثوب تلمع بخجل بألوان الأزرق النيلي والأحمر القاني، وكأنها بقايا شمس غاربة على كثبان الصحراء. كانت بشرتها بلون القمح المشبع بالشمس، وعيناها واسعتان تحملان هدوء الصحراء واتساعها، لكنهما في الوقت نفسه مليئتان بالخوف والحذر، كأن سنوات صغيرة من الحياة زرعت في ذهنها صوراً مقلقة عن عالمها الخارجي.
اقتربوا من المقهى، وسألني أحدهم عن مكان للجلوس. دعوتهم إلى الطاولة المجاورة، وجلسوا. كانت الطفلة تتنقل بنظراتها بيني وبين المكان، تجمع شجاعتها لتكشف القليل من فضولها.
سألني الرجل بهدوء:
— من أين أنت؟
ابتسمت وقلت:
— اسمي محمد سعيد الأندلسي، من المغرب.
تجمّدت الطفلة، وانحنت قليلاً خلف الرجل، تشبثت بذراعه كأنها تحتمي من كلمة لم تفهمها بعد. فسألته عن سبب خوفها، فأجابني بصوت منخفض:
— هي من مخيمات البوليساريو في تندوف… هناك يخوفون الأطفال منكم، المغاربة، ويغرسون في أذهانهم عقيدة منذ الصغر. يعلمونهم أنكم أعداء، حتى قبل أن يروا أي مغربي عن قرب، كما يزرعون جنرالاتنا فينا، أن نكرهكم ونحقد عليكم.
صمتت قليلاً، ونظرت إلى الطفلة. شعرت بعمق الصدمة التي يعيشها الأطفال حين تُزرع فيهم الخوف قبل أن يعرفوا الواقع. كان واضحاً أن كل ابتسامة، كل كلمة لطيفة من الخارج، هي تحدّ صامت لجدار الخوف الذي شُيّد في ذهنها.
انحنيت لأصبح في مستوى نظرها، وقلت بهدوء:
— اسمي محمد سعيد… وأحب الحلوى مثلك.
نظرت إليّ بعينين واسعتين، توقف ارتجافها قليلاً، لكن الخوف لم يختفِ بالكامل بعد. وضعت أمامها قطعة شوكولاتة ساخنة وبعض الحلوى، دون أن ألمسها، حتى تختار بحرية. بعد لحظة، مدت يدها بحذر لتأخذ الكوب، وارتشفت رشفة صغيرة.
ابتسم الرجل بجانبها وقال:
— لا تخافي… هو جارنا، فقط يريد أن يشاركك القليل من اللطف.
رفعت رأسها، ونظرت إليّ ببطء، ثم سألتني:
— أنت لن تؤذي الناس؟ صح!
أجبتها:
— أنا فقط أكتب القصص، وأروي الحكايات.
كانت هذه الكلمات بمثابة جسراً صغيراً، أعطاها شعوراً بالأمان لأول مرة منذ زمن طويل. بدأت تأكل الشوكولاتة تدريجياً، ولم يعد خوفها هو المسيطر… ظلّ الحذر موجوداً، لكنه بدأ يلين.
قال الرجل الجزائري مبتسماً:
— حتى نحن تعلمنا أشياء عنكم… لكن الحقيقة مختلفة عندما نلتقي وجهاً لوجه.
بعد دقائق، ارتفعت ثقتها أكثر. سألتني عن البحر، عن الوطن، وعن الأشياء التي لم يرها أحد معها من قبل. أخبرتها أن البحر يشبه القلب: هادئ من بعيد، لكنه عميق ويحمل أسراراً كثيرة.
ضحكت لأول مرة… ضحكة صغيرة لكنها مليئة بالفضول والبراءة. كانت تقول للعالم: «ربما لا يكون كل شيء مخيفاً كما سمعت.»
ثم سألتني بسؤال صادق:
— لماذا نحن لسنا أصدقاء؟
ابتسمت لها، وقلت:
— نحن إخوة قبل أن نكون أصدقاء. وطنكم هو المغرب، لأن الوطن مثل البحر يتسع للجميع ورحيم مع من ضلوا الطريق.
سكتت للحظة، تحفظ الكلمات في قلبها الصغير… كلمات تتحدى سنوات من الخوف المغروس منذ الطفولة.
حين حان وقت الرحيل، وقفت أمامي الطفلة في لباسها الصحراوي الرملي. لم تعد تختبئ، ولم تعد ترتجف. رفعت يدها ولوّحت لي بابتسامة صافية، وقالت:
— لم أعد خائفة.
كانت جملة قصيرة… لكنها بدّلت معنى تلك الليلة كلها.
غادروا الشارع المبتل، وبقيت أنا أمام فنجان قهوتي الذي برد منذ زمن، لكن داخلي كان دافئاً بشكل غريب. أدركت أن أكبر الحواجز بين البشر لا تُبنى بالحدود أو السياسة، بل بالقصص التي تُزرع في قلوب الأطفال.
وفي تلك الليلة، لم أخرج من حفل شعري في لندن فقط… بل خرجت بشهادة صغيرة على حقيقة كبيرة: الإنسان يولد بلا خوف… والخوف يُعلّم. لكن الطمأنينة يمكن أن تُعلّم أيضاً… بابتسامة صادقة، كلمة لطيفة، وحلوى صغيرة.
كانت الطفلة في لباسها الصحراوي الرملي، بخطواتها الصغيرة بين أرصفة لندن المبللة، رمزاً لكيفية اختراق البساطة للسياسات المعقدة، وكيف يمكن للحب والطيبة أن يهزم مخاوف سنوات في لحظة واحدة.



