قصة الشخص المجهول للكاتب محمد سعيد الأندلسي

محمد سعيد الأندلسي
عندما أرخى الليل سدوله، وغمرت الظلمة الأرجاء، تركت فراشي وخرجت أتجول وحيداً في طرقات المدينة الهادئة. كنت أتوق للخلوة والانفراد، بعيداً عن زحام النهار وضوضائه، أتأمل نجوم السماء المتلألئة في صفحتها السوداء، وكأن كل نجمة منها مشعل صغير يرسل أنواره الفضية لترشد الحائرين في صحاري الكون الموحشة. كنت أتساءل عن أسرار هذا الكون الفسيح، وعن خفاياه التي لا تنتهي.
سرت في الطرقات المعتمة وأنا أتطلع إلى الأعلى، حتى وصلت إلى ملجئي المعتاد، تلك الحديقة الصغيرة الجميلة التي أختبئ فيها بين أحضان الطبيعة. جلست على أحد المقاعد الخرسانية الباردة، وأنظر من خلال فروع الأشجار العارية إلى أضواء المدينة المتلألئة في الأفق، وهي تتراقص كأحلام لا تستقر.
وبعد ساعات من التأمل العميق والخواطر المتدفقة، التفتت فجأة فإذا برجل يجلس على نفس المقعد قربي، يمسك بعصا خشبية ويرسم بها أشكالاً غريبة على التراب. همست في نفسي قائلاً: “عجباً! هذا الرجل يبحث عن العزلة والتفرد مثلي تماماً“.
ثم أمعنت النظر في هيئته، فرأيت رجلاً مسناً بلحية بيضاء كثيفة تتدفق على صدره، وشعر أبيض ناصع يلمع تحت ضوء القمر الخافت. كانت هيئته تبعث على الهيبة والوقار، كأنه شخصية خارجة من كتاب تاريخي قديم. وكأنه أحس بنظراتي المتفحصة، فالتفت نحوي وقال بصوته العميق الهادئ الذي يهز الأعماق: “مساء الخير“. فسارعت إلى رد التحية.
ثم عاد إلى رسم خطوطه بعصاه، وكأنه يحاور الأرض بلغة لا أفهمها. وبعد لحظات من الصمت، انجذبت إلى نبرة صوته الهادئة فسألته: “في أي حي تسكن؟ وهل أنت من سكان هذه المنطقة؟“
نظر إلي نظرة طويلة عميقة، كأنه يقرأ في ملامح وجهي شيئاً لم أكن أعرفه بنفسي، لكنه لم ينبس بكلمة. فقلت في نفسي: “لعله غريب عن هذه المدينة، أو ربما زائر عابر“.
ثم عدت وسألته بصوت أكثر وضوحاً: “هل أنت غريب عن هذه المدينة يا عم؟“
فأجاب بنبرة حادة وواضحة: “نعم، أنا غريب عن هذه المدينة… وغريب في كل مدينة، وغريب في هذا العالم كله!”
قال هذا وهو يرفع عينيه إلى السماء الرمادية، فاتسعت حدقتاه وارتعدت شفتاه برهة، وكأنه يرى على صفحة الليل صوراً لوطن مفقود أو ذكريات بعيدة.
فقطعت عليه حلمه بسؤال: “كيف ترى هذه الدنيا في نظرك؟“
فأجاب وكأنه يقرأ من كتاب مقدس: “هذه الدنيا هي مسرح الكراهية والحقد والبغضاء“. ثم تنهد تنهيدة طويلة من أعماقه وقال: “لقد أصبحت الدنيا في زماننا هذا مقبرة للحب والسلام، إنها عصر الضياع والعولمة والأحلام الزائفة. الدنيا كوكب المشاكل والزحام، إنها جسر مؤقت نعبره إلى عالم آخر… عالم يُذل فيه الفقير ويتربع الغني على عرش النعيم، حيث يُلوث العقل وتسود القلوب وتتسمم الأفكار. حين يهبط الإنسان إلى مرتبة الحيوان، ولا يفكر إلا في إشباع غرائزه من طعام وشراب وشهوة وعدوان، حين يضل في دياجير المعاصي وينسى طريق الخير… سيظل الغني سجيناً بين جدران قصره الفاخر، ويموت وحيداً في غرفة نومه الفارهة، بينما الفقير المسكين يضيع في زحام الحياة ولا أحد يدري عنه شيئاً… هل شبع أم لا يزال يتضوّر جوعاً؟“
فأسرعت لأقطع كلامه قائلاً: “إذن الأغنياء البخلاء لا يفكرون إلا في ملذاتهم، والفقراء المساكين يعيشون في جحيم هذه الدنيا!”
فأجاب بصوت خافت كهمس الريح: “إن الجائع المسكين يحلم برغيف الخبز، لكنه لا يعرف كيف يُخبز. أما الأغنياء فأحلامهم أكبر من عقولهم، وكأنهم يعتقدون أنهم خالدون. لكن الله تعالى لا يحب الغني لغناه ولا الفقير لفقره، وإنما يحب الأعمال الصالحة والواجبات التي خلقنا من أجلها.”
فأعجبت بكلامه الحكيم، ورحت أتأمل في منظره الغريب وملابسه البسيطة القديمة. وبعد لحظة من الصمت، نظرت إليه قائلاً: “أظنك في حاجة إلى المساعدة، فهلا قبلت مني هذا المال لتعين به نفسك على قضاء حاجاتك؟“
فأجاب وقد رسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة فيها شيء من السخرية: “نعم أنا في حاجة كبيرة، لكن ليس للمال الذي تقدمه.”
قلت له باهتمام: “وما حاجتك إذن؟“
قال بجدية: “إلى مأوى أحتمي فيه.”
قلت له محاولاً المساعدة: “خذ هذا المال إذن، واستأجر لنفسك غرفة لبضعة أيام.”
فأجاب وهو يهز رأسه: “لقد ذهبت إلى كل البيوت في هذه المدينة… بل في كل المدن، فلم أجد من يفتح لي بابه. وطرقت كل الأبواب، فلم أجد صديقاً يرحب بي.”
فقلت في نفسي مندهشاً: “ما أغرب هذا الرجل! مرة يتكلم بحكمة الفلاسفة، ومرة يتحدث كالمجانين!”
فحَدَّق بي بنظراته الثاقبة ورفع صوته قليلاً وقال: “نعم، أنا مجنون بحق… والمجنون أين يجد المأوى؟“
فاندهشت من كلامه الغريب، ثم قلت له متأسفاً: “سامحني على سوء الظن يا سيدي، فأنا لم أعرف قدرك. لقد أثار كلامك استغرابي، فهلا قبلت دعوتي لتقضي الليلة في منزلي؟“
فرفع رأسه وقال وكأنه يتذكر شيئاً: “لقد طرقت بابك ألف مرة… ولم يفتح لي !”
فقلت له وأنا أحاول إخفاء دهشتي: “تعال معي الآن إلى منزلي، فسيُفتح لك الباب.”
فرفع رأسه وقال متسائلاً: “هل تعرفني؟“
أجبته: “لا، لا أعرفك.”
فقال بلهجة تحمل الكثير من المعاني: “لو عرفتني حق المعرفة… لما تجرأت على دعوتي إلى بيتك.”
فسألته بفضول: “من أنت إذن؟ وما اسمك؟“
فأجاب بصوته الجهوري: “أما اسمي… فهو يجلب الرعب والهلع للنفوس الضعيفة. أما أنا… فأنا العاصفة المدمرة التي تقتلع الأرواح من الأجساد، والأجساد من ظهر الأرض إلى باطنها. في ظلام الليل الأسود أسير، وكل الأرواح تسير خلفي مرتعبة منحنية، وليس بينها من يملك القوة على المقاومة، ولا منها من يجرؤ على الأمل في النجاة. أسير أمامهم وهم يتبعونني كالقطيع، وكلما التفت إلى الوراء… أسقط منهم ألفاً على جانب الطريق. من يسقط منهم يرقد في سبات أبدي، ومن لا يسقط يواصل السير وهو يعلم في قرارة نفسه أنه سيسقط عاجلاً أم آجلاً، ويرقد مع الراقدين. أما أنا… فأظل أسير لا أكل ولا أمل، محدقاً في الأفق البعيد الذي لا نهاية له.”
ثم نظر إلي وقال: “أتريد حقاً أن تعرف اسمي؟“
قلت بلهفة: “نعم، أخبرني.”
فقال: “اسمي بينكم غريب وعجيب… ولم يُسَمَّ أحد به منذ بداية الخليقة حتى نهاية الدهر. واسمي… مكون من ثلاثة حروف فقط.”
فأصابتني الدهشة من غرابة كلامه.
فسألته محاولاً فهمه أكثر: “هل تمر من هذا الطريق كثيراً؟“
فأجاب بابتسامة عريضة مليئة بالسخرية: “أنا أمر على أقوام… ينادي الأخ أخاه، والأب أبناءه، والأم أطفالها، فأراهم يضحكون ويلهون. وأنا أطوف حولهم كالشبح، وأنتظر ساعتي… ساعة التهام أرواحهم وأجسادهم، وشرب دمائهم ودموعهم! وفي طريقـي أمر على نائمين… ومنهم من حُرِم لذة النوم، فأقطع نومهم بمخالبي الحادة، وآخذهم معي إلى عالمي… وأنا أضحك ساخراً! ثم أعود لأواصل سيري إلى الأفق البعيد!”
فأصابني الفزع والرعب من كلامه المرعب.
فقلت له مرتجفاً: “بحق الله عليك… من تكون؟ هل أنت جبار متغطرس؟ أم متمرد عاصٍ؟ فمن النظرة الأولى ظننتك عبداً صالحاً من عباد الله!”
فأجاب بهدوء غريب: “نعم، أنا عبد من عباد الله… أطيع أوامره دون تردد. في ظلام الليل الحالك أمر عليك وأنت غافل ساهٍ، كما مررت قبلك على عروسين في ليلة زفافهما، فقالت الزوجة لزوجها: ‘هلا أحضرت لي كأساً من الماء؟‘ فذهب الزوج ليحقق رغبتها، فنزلت إليها كالبرق الخاطف، وانتزعت روحها من جسدها في لمح البصر، وتركتها جثة هامدة. فعاد الزوج حاملاً الكأس، ليجد زوجته قد رقدت رقودا لا رجعة فيه، فانهمرت دموعه حزناً عليها.
أناديكم من نور النهار و ظلمة الليل… فتستجيبون! لقد أرسلت إليكم أرواح موتاكم تحذركم مني… فلم تفهموا تحذيرات الرسل! تركتكم أيها الموتى لتدفنوا موتاكم! صرخت فيكم… لكن ما قيمة الصراخ وانتم صم لا تسمعون؟!”
فازداد خوفي ورعبي منه، والتفت إليه بصوت متحشرج: “هل… هل جئت الآن لتفعل بي كما فعلت بمن حدثتني عنهم؟“
فابتسم ابتسامة غامضة وقال: “اعذرني… لقد أرعبتك. لا تخف… فلم يحن دورك بعد!”
فشرعت أفكر ملياً في كلمته الأخيرة: “لم يحن دورك بعد“. وأكثر ما أثار حيرتي وقلقي أنه كان يتكلم بثقة مطلقة، كأنه يقرأ من كتاب المقادر.
فسألت نفسي في ذهول: هل سيأتي دوري يوماً ما؟ يا إلهي… من يكون هذا الشخص الغامض المرعب؟
وبينما أنا غارق في بحر من الأفكار والهواجس، قام فجأة من مقعده وقال: “ألن تدعوني إلى بيتك كما وعدت؟“
فقلت له وأنا أحاول كتم رعبي: “بلى… تفضل معي.”
فابتسم مرة أخرى وقال: “هذا لطف منك!” ثم وضع يده على كتفي، وقال لي بنبرة ناصحة: “اعمل صالحاً في حياتك… لأنني سأزورك لا محالة في يوم من الأيام.”
فتساءلت في حيرتي: كيف يدعوني إلى عمل الصالحات وهو يجلب الموت والدمار؟!
فبادرته بالسؤال قبل أن يفكر في الرحيل: “ألن تخبرني أخيراً من تكون وما اسمك الحقيقي؟“
فرفع عينيه إلى السماء كأنه يستمد منها القوة، وقال بصوته الجهوري المدوي: “أنا هادم اللذات… ومفرق الجماعات… أنا الذي لا يُردّ أمره… أنا الموت!”
رفعت رأسي بسرعة لأنظر إلى وجهه… فلم أرَ أمامي سوى ذرات غبار تتهاوى في الهواء. لم أسمع سوى حفيف أوراق الأشجار وهمس الرياح في ظلمة الليل.
لم أدرِ أكان ما رأيته حقيقة ماثلة أم حلماً من أحلام اليقظة. فأغمضت عينيّ وأنا أحمل في عقلي ألف سؤال وسؤال، وعلامات التعجب تحيط بي من كل جانب. بقيت جالساً في حديقتي الصغيرة، أفكر في ذلك اللقاء الغريب، وأتساءل: متى سيعود؟ ومتى سيحين دوري؟




