وفاء الشاط جباير… حين تصبح الحياة قصيدةً تبحث عن معناها

محمد سعيد الأندلسي
ليس الإنسان ابن المكان الذي وُلد فيه فحسب، بل ابن الأسئلة التي رافقته وهو يعبر الحياة. وبعض الناس لا يكتبون الشعر لأنهم شعراء، بل لأن الحياة نفسها لم تمنحهم وسيلة أخرى لفهم هذا العالم سوى الكلمة. من هذا الأفق يمكن الاقتراب من تجربة الشاعرة وفاء الشاط جباير؛ تجربة لا تُختزل في سيرة ذاتية، وإنما في رحلة طويلة من التحول، حيث يصبح كل منعطف وجودي بدايةً جديدة لا نهايةً لما قبله.
في مدينة طنجة، بالمستشفى الإسباني، بدأت الحكاية. وهناك، بين أزقة خوسفاط، بشارع الحسن الأول، تشكل وعي الطفلة التي كانت ترى في المدينة أكثر من فضاء جغرافي؛ كانت تراها ذاكرةً تتنفس، وهويةً لا تغادر صاحبها مهما ابتعد. فالمدن الحقيقية لا تُسكن، بل تسكننا، ولهذا ظل اسم طنجة يرافقها حتى وهي تؤسس جمعيتها الثقافية بالدار البيضاء، فاختارت لها اسم “طنجيس”، وكأنها كانت تعيد بناء مدينتها بالحروف بعدما غادرتها بالجسد.
تعلمت منذ طفولتها أن الحياة ليست خطاً مستقيماً. تنقلت بين مدارس طنجة والرباط، بعدما انتقل والدها للعمل بفندق هيلتون، فعرفت مبكراً أن الإنسان لا ينتمي إلى الأمكنة بقدر ما ينتمي إلى القيم التي يحملها معه. وحين عادت إلى طنجة لإتمام دراستها، كانت قد بدأت تكتشف أن المعرفة ليست ما نتلقاه داخل الفصول الدراسية، بل ما نصنعه من تجاربنا ونحن نواجه العالم.
ثم جاء الزواج وهي في الخامسة عشرة من عمرها، لتدخل الحياة من باب المسؤولية قبل أن تكتمل سنوات الصبا. غير أن بعض النساء لا تسمح لهن الحياة بأن يعشن أعمارهن وفق الترتيب المعتاد؛ فيكبرن باكراً، ويتعلمن أن الزمن لا يُقاس بالسنوات، بل بما يتركه في الروح من أثر.
انتقلت إلى الدار البيضاء، وهناك أدركت أن الإنسان لا يملك رفاهية الاكتفاء بحلم واحد. درست، وعملت، وحصلت على دبلوم في التسيير الإداري، ثم خاضت تجربة الوظيفة بعمالة سيدي البرنوصي، قبل أن تنتقل إلى القطاع الخاص، ثم إلى عالم الحلاقة والتجميل، حيث أسست مشروعها المهني. لم تكن تلك التحولات تناقضاً في مسارها، بل كانت دليلاً على أن الهوية الإنسانية ليست قالباً ثابتاً، وإنما قدرة دائمة على إعادة اكتشاف الذات.
لكن، وسط كل تلك الانشغالات، بقي الشعر ملاذها الأخير. فليست القصيدة عند وفاء الشاط جباير محاولة لوصف الواقع، وإنما وسيلة لمقاومته. إنها لا تكتب لأن الكلمات جميلة، بل لأن الصمت أحياناً يصبح أكثر قسوة من الألم نفسه. ولهذا جاءت أعمالها شاهدة على تجربة إنسانية ترى في الكتابة خلاصاً مؤقتاً من هشاشة الوجود.
ساهمت سنة 2018 في إصدار ديوانين جماعيين؛ “صفوة الكلام” بالفصحى، و**”صهايل القصايد”** بالزجل، ثم أصدرت سنة 2025 ديوانها “صرخة وجع”. وليس العنوان مجرد اختيار جمالي، بل إعلان عن موقف وجودي؛ فالوجع، في تصورها، ليس نهاية الإنسان، وإنما اللحظة التي يبدأ فيها بالبحث عن حقيقته. فالقصيدة لا تمحو الألم، لكنها تمنحه معنى، والمعنى هو أول انتصار للإنسان على قسوة الحياة.
ولم تجعل من الشعر عزلة عن المجتمع، بل وسيلة للانخراط فيه. تقلدت مسؤوليات ثقافية متعددة، وترأست هيئات وجمعيات، وتولت رئاسة لجنة الإبداع والمبدعين بالجامعة الدولية للإبداع والعلوم الإنسانية والسلام بين الشعوب، وانخرطت في رابطة كاتبات المغرب والمجمع الثقافي، لأنها تؤمن بأن الثقافة ليست امتيازاً للنخبة، وإنما حق إنساني، وأن المبدع الحقيقي لا يعيش خارج مجتمعه، بل في قلب أسئلته.
حصلت على تكريمات وشهادات تقديرية من مؤسسات وطنية وعربية، من بينها تكريم سفير الجمهورية اليمنية بالمغرب، وتكريم ضمن الملتقى المغربي السعودي، كما أحرزت الرتبة الثالثة في مهرجان للزجل، غير أن أجمل تكريم بالنسبة للمبدع ليس ما يُعلق على الجدران، وإنما ما يبقى معلقاً في ذاكرة الناس.
وربما لهذا السبب يظل في قلبها شيء من الحنين إلى طنجة؛ المدينة التي منحتها اسمها الأول، ولم تمنحها بعد تكريماً يليق بابنتها. لكن المدن، مثل الأمهات، قد تتأخر في التعبير عن حبها، دون أن يعني ذلك أنها نسيت أبناءها.
إن وفاء الشاط جباير ليست مجرد شاعرة تكتب القصائد، بل امرأة جعلت من حياتها نصاً مفتوحاً على الاحتمالات. وكل تجربة عاشتها، وكل مدينة عبرتها، وكل مسؤولية تحملتها، تحولت في داخلها إلى بيت شعر جديد. لذلك تبدو قصيدتها امتداداً لحياتها، كما تبدو حياتها قصيدةً لم تنتهِ بعد.
ففي النهاية، لا يبقى من الإنسان ما امتلكه، ولا المناصب التي تقلدها، ولا التصفيق الذي ناله، بل يبقى ذلك الأثر الخفي الذي يتركه في أرواح الآخرين. وتلك، ربما، هي الصورة الأقرب لوفاء الشاط جباير: امرأة تؤمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تهزم النسيان، وأن الشعر ليس ترفاً، بل إحدى الطرق النبيلة لمقاومة الفناء.يمكن أيضاً أن أكتبها بأسلوب يقترب من لغة الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار أو جبران خليل جبران، فتغدو أقرب إلى قطعة أدبية رفيعة منها إلى سيرة ذاتية.



