ثقافة وأدب

ذاكرة سجين .. الصيف والسجن_1

ذات يوم من أيام صيف 2012 الحارة والخانقة. الجو كان ساخنا ورطبا والغرفة كأنها حمام لدلك العضلات. الجميع هادئ وكل يسرح في خياله. وفجأة صاح من خارج الغرفة صوت مرعب “الماء المثلج .. الماء المثلج .. هيا ..املئوا أوانيكم. ثم وضعوا أوانيهم براميلهم أمام الغرفة لمناولتنا الماء المثلج.
انتفض الجميع وقوفا لهذا الحدث الغريب. الماء المثلج في عز الصيف. الماء المثلج لنا نحن سكان جهنم. أمر لا يُصدق.
على الفور صاح كبير السجناء رافعا يده للسماء (كان اسمه كإسمي. كان محكوما بالمؤبد أمضى منه 17 سنة) صاح :
– توقفوا .. كل واحد في مكانه .. لا يتحرك منكم أحد.فخاطبته.
– ما الأمر السي عبد القادر
– (ساخرا) .. هه الماء المثلج في عز الصيف ولنا نحن المدفونون في قاع جهنم. على من يضحكون؟. قلت له :
– خاي عبد القادر ربما هي التفاتة إنسانية من الموظفين. فأجاب.
– كلا السي عبد القادر إنه “قالب”. أنت لم تستفد من السجن يا صديقي.
– أجل أجل عنده حق. هذا قالب لنا أيها الزملاء. صاح الجميع. وأضافوا
– هل يريدوننا أن نصدق أن الرحمة في قلوبهم. الماء المثلج لنا نحن سكان جهنم ؟ هكذا لبا مقدمات .. أية رحمة هذه. لا تصدقوا أيها السجناء. لا تشربوا. إن “قالب”.
تدخلت قائلا: لم هذه “الهيلالة” كلها يا إخوان على الماء؟ ثم تناولت منه كوبا وشممته قائلا: انظروا رائحته عادية، فما الذي يمكن أن يصنعوا لنا فيه، ومن نكون حتى تضطر الحكومة لفعل شيء لنا في الماء. (في السجن الحكومة تعني الدولة).
هنا المحللون منا انقسموا قسمين:
الفريق الأول اعتقد أن هذا الماء المثلج ربما فيه سم لالون له ولاطعم ولا رائحة ومفعوله لا يظهر إلا بعد وقت طويل. وأنهم ربما يفكرون في قتلنا بالتدريج. والسبب هو الاكتظاظ الخانق الذي نحن فيه وجميع باقي السجون.
أما الفريق الثاني فقد ذهب باله أبعد مما يمكن تصوره.
فقد كان الرأي أنه من الممكن أن يضعوا لنا السحر في الماء، وقالوا بأنه كثيرا من الدول المتخلفة كإفريقيا، يستخدم فيها الحكام الدكتاتوريون السحر والسحرة لترويض الشعوب، وتركيعها و”تضبيعها” بلغة السجناء. زعيم هذا الفريق كان شابا ذا جنسية فرنسية وكان مهووسا بقراءة الروايات الخيالية، وكان يمضي معنا عقوبة بتهمة التهريب الدولي للمخدرات.
كان دائما غاطسا وجهه في روايات الخيال العلمي، والسيناريوهات الغريبة، وكان يعطي لكل حدث بسيط أبعادا كبيرة، وكنا كلما توقف عندنا الزمن بفعل الروتين، نسل له لسانه فنقضي معه ساعات وأيام وهو يمتعنا بالروايات الممتعة.
(الصورة تعبيرية فقط)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق