نساء رائدات

جميلة الوطني شاعرة طاعنة في شفوف الذات والوقت..!!

حسن بيريش

(1)
“بهذا الوهج
أحيا”.
يخاصر لغتي وهج ما، إذا قرأت تراتيلها بجمر الباطن لا برماد الظاهر. وحين ألج منتهاي في وجيب مبتداها، يأخذني لهيب البوح نحو ما لا عهد ليدي به. لحظتها، بينما الاشتعال يغرس شتلات مجازاته، تدرك محبرتي أنها إزاء امرأة لا تكتب، وإنما تتوهج. ولا تندلع في شرر القصيدة، بل تضيء نارا في عتمة تغلي بشواظ الكلم.
جميلة الوطني تذهب نحو الشعر بموعد الهطول، لا مظلة في يد توقها غير صحو الكلمة، وكل أجواء الكتابة تنذر بقصيدة على وشك السطوع في سماء الحلم.
من هنا، سر بلل العين وهي مغمورة في ماء القصيدة، تنوس بين يابسة من سوائل، بها يبدأ الشعر، ومياه من يباس، عبرها تضع اللغة نقطة في ٱخر سطر من الغرق، لكي تعود نحو أول حرف في أبجدية النجاة..!!
“وﻛﺎﻟﻤﺎﺀِ ﺃنتِ
منكِ الحياةُ
ومنكِ الغرق”.

(2)
“وأخرها محطة
سؤالٌ لن يصل
أيعلمُ إنها انتظرت طويلاً
لتكتب ديوان شعرٍ
عنوانهُ
صدفةٌ من ربيع”..!!
بين القصيدة والانتظار، بين المنجز والمحلوم، تبني جميلة أعشاش نصها، وتورق نضارة في اخضرار الفصول، حتى لا يباغتها الربيع وهي عارية إلا من شتاء المعنى، من زمهرير الاستعارة، من قيظ التشبيه، من جدب التورية.
إنها تكتب، أو تنكتب، سيان، وعين إحساسها مصوبة نحو أرخبيل ما مضى، ما لم يهل بعد. ذلك لأن الكتابة لا تنبني عوالمها في هدأة المقيم، بل في أحابيل العابر.
ولذا، تتبدى الشاعرة، إبان انهطالها المدرار، وهي موسومة باجتراح ٱت لا يأتي، ضالعة في صوغ شٱبيب انتظار يظل انتظارا، وطاعنة في شفوف الذات والوقت.
“وفي البعيد
تحملُ نفسها على أكتاف الزمن
تقيس مسافات الكون
بقلب يأتمن لوعته
في حضن الغياب”.

(3)
“أنتِ الانثى التي أَهدَت
من ألوانِ شفتيها
كُلُّ وُرودَ الأرضِ”..!!
الأنوثة على مداها في نص جميلة، مما يشي بفوران طازج الدوال، يطال الذات المبدعة في المساحة المستحيلة للكتابة المراوغة، المغوية، والمدركة لمضمراتها وهي تتعالق، أو تتقاطع مع خطاب الٱخر.
لا تمارس التواري أمام إجهاش الأنوثة برحيب اكتمال أفقها في الذكورة، وإزاء جعل النصف الأول ممتدا في نصف ثان، بهما، معا، يشيد النص تفاصيل رؤية الشاعرة.
“تفتح خمار حسنها
أنثى شهية النظرات
تطرَب
تقترب منه
هو
عازف الناي
فهمسه سمفونية للروح
يبلل الشفاه على استحياء
ليرقص القلب رقصة صوفية”..!!
نص جميلة يبدو متصالحا مع محموله، متجانسا مع دواله، يصدر عن موقف متوحد، يجهر في منتصف المسافة بين مدلول / أنثى، ودال / ذكر.
مع ذلك، ثمة صعود بالأنثى نحو حالق، حيث يمكن رؤيتها باعتبارها كائنا علويا، فيها، منها، يستمد الوجود كل شرعية أصله، انبثاقه، وانبلاجه.
“في غسق الدجى
تختبئ كياقوتةٍ
ينسابُ ضوؤها
خلف محيا الشمس”.

(4)
“على ضفتي
وجنتيك
يبتسم الدهر”..!!
لغتها طاعنة في خداع المعنى، ومتورطة في المكر بالبصر، ومخاتلة بارتياب. تتبدى على ممد السطوح، ثم سرعان ما تحيلك على أغوار، وعلى أقاص، كلما جددت صلتك بها، أو كلما قرأتها، تأملتها، وأنت خال من ريب المسبق.
“أنفاسها شِعر مخملي،
يسرح في الوهج
يخالط أرجاء الروح
على مجرة القدر”.
إن جميلة الوطني لا تسعى نحو التعبير المجبول على غلو، المسكون بغريب، المثقل بحمولة المجاز. إنها تترك العفوية الماثلة في اتقاد قلبها، تنتقي العبارة التي تبوح بها السريرة المستكنة في الروح، لا تلك التي تبنيها العلانية الموشومة باليد التي تقترف الكتابة.
“تتكئُ على نورٍ
يفتح المستحيل،
ويسود المكان”.
لغتها لا تقف في وجه هبوب الريح، لكنها تمارس شطحات مريبة، وهي في مهب البرق، وعلى موعد مع الرعد. لذا، ما من إثارة تخطف العين في معجمها الشعري، بل ثمة الصور المصهورة التي تهز سكينة الفؤاد.
“أنتِ المرأةُ التي أُخِذَ
من عينيها لونُ الليلِ
وأحلامُ العاشقين”.

(5)
لا تكتب القصيدة عبر أحبار الجسد، بل تكتب الجسد عبر أنفاس القصيدة. بالتالي، يغدو المضمر المتفشي في جسد الشعر، هو نفسه المتجلي في أقانيم شعر الجسد. وما هي بثنائية تتوحد، بل توحد يتعدد.
“في عيني
تاريخ أجدى
وقلب
لا يقبل الرشوة”..!!
وهنا يتحول الجسد الأنثوي، عبر رمزية العين الرائية، إلى تاريخ موغل في المغزى. والقلب، وحده، يعاين ما تم، كي يجسد، مجازا، ما هو ٱت.
لذا، تتبدى رؤى الشاعرة أبعد، أعمق من مجرد جسد يروي سيرته وفق المتجلي، لأن نظرته، إلى محتوياته، إلى فيض بوحه، تكمن هناك في أرخبيلات المخفي.
“تتراقص في مهب الريح،
ملهمةً متربعةً
على تفاصيل الغزل”.
إن الجسد الأنثوي، كما يتبدى في نصوص جميلة، يشهق بالضوء، يحوم حول الشكوك، يمارس غبطة تيهانه، فيلوذ بوهج به يحيا، وعبره تخضّر جماع صحرائه.

(6)
“كلماتك
تُصلّي…”.
بلى.
ما تكتبه جميلة الوطني يصلي خاشعا، متبتلا، لا يصرفه صارف عن سلسبيل التهجد، ولا يعيقه شيء عن شهوات نوافل التقرب إلى طاعة الكلم.
وسواء في محراب الشعر، حيث تعثر على أوراد ليال من صبوات العطش، أو على سجادة السرد، حيث يعثر عليها الحكي وهي متورطة في التسبيح اللغوي، فلا محيد عن صلوات بها، فيها، تنكتب الذات لتكتب.
“صوتكَ جاء ملبياً
ليطوف حول كعبة قلبي
دعنا نصلي
ونتلوا دعاء الحب
حتى ثمالة المحراب”..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: