أسرة ومجتمع

اختصر المصاريف .. رمضان عالابواب .. عن واقع حال الشعب الاردني ..

الماجد عبدالله الخالدي

“اختصر المصاريف وخبي الراتب .. رمضان عالابواب” مألوفة هذه الجملة .. وتتردد في اغلبية منازل هذا الوطن قبيل حلول الشهر الفضيل .. فلا يمكن لاي رب اسرة هنا ان يؤمن متطلبات العيد قبل ان يفكر بتأمين “مونة الشهر” .. وبالرغم من انه شهر عبادات وطاعات اكثر من ان يكون شهر مستلزمات .. الا ان الانجاز الاعظم لكل عائلة يكمن في توفير المونة الشهرية قبل ان يهل هلال الشهر .

جولة الى الاسواق .. لا غاية لي منها الا الاستطلاع غير المباشر .. اسأل عن الاسعار دون اي نية للشراء .. ثم اقف قليلا بمحاولة خبيثة ظنا من البائع اني اريد التفكير في السعر قبل الشراء .. ولكني في الحقيقة اذهب للابحار في عقول المتواجدين .. انظر الى ذلك المشتري الذي يفاصل على سعر “الكيلو” من هذه السلعة .. وانظر الى ذاك الذي “يتذمر” من الحكومة بسبب ارتفاع سعر تلك السلعة .. واسرق نظرة نحو الجهة الاخرى .. لاجد شخص يفاصل زوجته على عدم وجود حاجة ملحة لشراء هذه المادة الغذائية مرتفعة السعر .. لا شك انه الاستغلال .. فحاجة الناس لهذه السلع جعل الباعة والتجار يتجهون لرفع اسعارها .. هذا ما راودني اثناء الوقوف .. ثم تنتهي هذه الجولة بمجرد سماعي لصوت البائع الذي اقف امامه : “شو صار معك ؟؟ بدك تشتري ؟؟” انهيت وقوفي امام محله التجاري برفض الشراء .. ثم تابعت المسير الى الامام .. وشاء القدر ان امشي وراء صديقين يجهزان لاستقبال الشهر الفضيل على الطريقة التي اعتاد عليها الشعب .. سمعت بعضا من حديثهم .. احدهم كان يتذمر باسلوب الاستهزاء .. والاخر كان جديا في تذمره .. لقد كان مجمل حديثهم عن “عدس الحكومة” الذي سمعنا عنه بتصريح رسمي .. قال الاول : “شكلنا هالشهر رح نقضيها مجدرة وشوربة عدس ههه” .. رد الثاني : “يا زلمة اقسم بالله قرفنا هالوضع .. لمتى رح نبقى نشوف ونحرم حالنا؟” فقال الاول : “لا والمشكلة ما صدقنا وتخلص الشتوية لنخلص من العدس .. كمان برمضان ؟!” فرد الاول : “ويهتوا علينا انه عندهم عدس .. عاساس احنا مو ناقصنا الا العدس يعني” .. اكملا حديثهم في هذا الاتجاه .. اما انا فقطعت الطريق الى الضفة الثانية منه .. ازدحام هناك ولعلي اكمل استطلاعي هناك بشكل افضل .

عائلة هنا تتنقل من محل الى اخر .. يبحثون عن شيئ عجزت ان اعرفه .. كلما دخلوا الى محل يبدأ الرجل بالحديث مع البائع .. والمرأة وطفلها الصغير يتجولون داخل المحل .. هم دخلوا باحثين عن غرض معين .. ولكن اثناء تجولهم في المحل يطل عليهم الف غرض وغرض ليذكرهم بحاجتهم له .. وتبدأ الزوجة بتذكير زوجها .. نريد هذا وينقصنا ذاك ونحتاج الى كذا وكذا .. ارى الزوج يتجاهل حديث زوجته التي تتحدث بجدية اما هو فيتركها تتحدث ويمشي ببطئ نحو الباب الخارجي فتفهم الزوجة هذا الاسلوب الذي اعتمدته الزوج بدلا من الاجابة “ما معي” .. ولكن ما ان فهمت الزوجة حتى صرخ الطفل : “بابا بدي من هذا” .. صرخة الطفل قابلها كل من الاب والام بنظرات حادة فهم الولد معناها : “مش وقتك هسا ولا وقت طلباتك اللي بلا طعمة” فخرج الطفل بنفس طريقة والده التي اسلفت ذكرها .. يمشي ببطئ ورأسه الى الارض في علامة تدل على الخيبة والحسرة .

رغم اني ايضا شعرت بالحسرة والخيبة كما الطفل وعلى الطفل .. او على العائلة كلها والشعب اجمع .. الا ان هنالك قوة اجبرتني على متابعة المسير لاكمال هذا الاستطلاع .. تابعت المسير وانا لا اريد ان ارى صدمات جديدة .. هنالك محل للمواد التموينية بالقرب من مجمع باصات قرية ما .. رأيت رجل وامرأة كبيرة بالسن كأنها والدته داخل المحل .. لعل الوضع هنا مختلف .. دخلت ملقيا التحية .. وبدأت ابحث داخل المحل عن حاجتي الوهمية وانا اضع سمعي واسرق بعض بصري نحو صاحب المحل والمتواجدين هنا .. لعلي اعرف وافهم شيئا .. هذا الرجل ووالدته يجمعون كل ما يطيب لهم .. ولا شك انهم على معرفة قوية بالبائع .. فهم يخاطبونه باسمه .. والاغرب انهم لا يفاصلون بالسعر .. لربما وضعهم المادي جيد .. هكذا فهمت من رؤيتي للمشهد .. وما ان انتهى الرجل ووالدته من جمع حاجياتهم .. حتى بدأ جرد الحساب .. لم اعرف المبلغ المترتب عليهم ولكني سمعت جملة قالها الرجل للبائع وتتردد كثيرا في اسواقنا .. بالذات في مثل تلك المحلات التجارية التي تعتمد في تجارتها على المعرفة المسبقة : “سجلهم عالدفتر” .

تلك هي الجملة التي جعلتني اغادر المكان دون ان يعرف البائع سبب مغادرتي .. حسرة جديدة راودتني .. كنت انتظر رؤية احد من هذا الشعب بخير .. ولكن واقع الحال ابى .. اكملت المسير عنوة .. وكأني لا اريد .. ولكن قليل الامل الذي تبقى بداخلي اجبرني على هذا .. انظر هنا وهناك واريد ان اجد شيئا يهديني لاكمال هذا الاستطلاع .. حسنا .. هذا البائع الصغير الذي يتجول .. طفل لم يقضي العاشرة من عمره .. وقفت معه بحجة الشراء وانا على يقين بانه لن يعرف غايتي .. فكل الباعة كبار السن الذين واجهتهم مسبقا لم يعرفوا غايتي .. كيف لهذا الطفل ان يعرف :
بادرته بالسؤال : كم عمرك ؟!
قال : ١٠ سنوات ..
سألته ثانية : هل تدرس ؟!
اجاب : لا ..
سالته مستغربا : لماذا ؟!
اجاب متحسرا : لا وقت للدراسة والعمل معا ..
سالته : ولماذا تعمل في هذا السن ؟! ..
اجاب : لاني يتيم ولا معيل لوالدتي واختي غيري ..
سالته متألما : وهل تكفي هذه البسطة الصغيرة لسد حاجاتكم ؟
قال وفي اجابته شيئ من الحرمان : بنعيش على قد حالنا .. وربنا ساترها ..

تأملت قليلا وتألمت من اجابته الاخيرة .. ولكنه انهى جولة التأمل عندما سألني : هل تريد ان تشتري شيئا ؟ قلت بعقلي : بالتأكيد سأشتري .. وان كانت كل الحاجيات الموجودة على هذه البسطة الصغيرة لا تلزمني .. اخذت شيئا من البسطة وسألته : بكم هذه ؟ قال: بنصف دينار .. اخرجت دينارا من جيبي .. وقدمتها له ثم.. اردت الانصراف فاوقفني بقوله : خذ الباقي .. قلت له : الباقي الك .. مسامحك فيه .. ادرت ظهري ولكنه ادمعني برده : انا مش بحاجة لحسنة من حدا !! .

اخذت ما تبقى من نقود .. ومشيت كارها لطريقي .. لقد اكتفيت بما واجهت من خيبات وحسرات في هذا الاستطلاع .. ولكني واجهت عدد من الاسئلة التي طرحها عقلي ولم اجد لها اي اجابات .. اين دور الحكومة في تأمين حياة كريمة لشعبها بدل من تأمين “العدس”؟؟ اين دور الحكومة في رعاية الايتام وتأمين حياتهم ؟؟ واين دور الجهات المعنية في منع استغلال التجار للناس في مثل هذه الايام ؟! .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: