البودشيشية تجمع المغرب وأبناءه من العالم حول قيم المحبة والسلام

محمد سعيد الأندلسي
لا يمكن قراءة احتفال الزاوية القادرية البودشيشية بمداغ بذكرى المولد النبوي، بوصفه مجرد طقس ديني يتكرر سنوياً، بل هو، في جوهره، ظاهرة اجتماعية وروحية وثقافية مركبة، تعكس تحولات أوسع في المشهد المغربي، وتكشف عن أدوار جديدة للفضاءات الصوفية في زمن تتزايد فيه حاجة النخب والمجتمعات إلى مرجعيات تتجاوز الإطار السياسي والاقتصادي.
ما يلفت الانتباه في هذا الموسم هو طبيعة الحضور نفسه. فإلى جانب المريدين، الذين يشكلون الجمهور التقليدي للزاوية، حضرت شخصيات من مجالات متعددة: علماء، أكاديميون، أطباء، قضاة، إعلاميون، سياسيون، أدباء، فنانون، ورجال أعمال. وهذا التنوع ليس عارضاً، بل يعكس تحولاً في وظيفة الزاوية ذاتها، التي لم تعد فضاءً للذكر فقط، بل أصبحت منصة للقاء بين فئات كانت، في سياقات أخرى، قد لا تلتقي. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تختار هذه النخب فضاءً روحياً، تحديداً، للتلاقي؟
الجواب قد يكون في طبيعة الفضاء الروحي نفسه، الذي يقدم مساحة محايدة، تذوب فيها الفوارق المهنية والانقسامات الأيديولوجية، وتظهر فيها الأسئلة الإنسانية المشتركة. في زمن يغلب عليه الاستقطاب، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي، تبقى الروحانية مجالاً للتلاقي، حيث يمكن للجميع الالتقاء حول قيم مشتركة، دون التخلي عن اختلافاتهم. وهذا ما يفسر أيضاً حضور شخصيات من مشارب فكرية مختلفة، قد لا تجتمع في منابر أخرى.
أما حضور مغاربة العالم، وفي مقدمتهم السياسي البلجيكي فؤاد أحيدار، فيحمل دلالة أخرى، تتعلق بالعلاقة بين الهوية والانتماء. ففضاءات مثل الزاوية القادرية البودشيشية، تقدم للمغاربة المقيمين بالخارج ما لا تقدمه لهم المؤسسات الرسمية غالباً: مساحة للاتصال الرمزي بالوطن، عبر الروحانية والذاكرة الجماعية. وهذا يفسر استمرار تدفق هذه الفئات على مداغ، رغم بعد المسافة، ويؤكد أن الروابط التي تشكلها هذه الفضاءات لا تقل عمقاً عن الروابط السياسية أو الاقتصادية.
على صعيد آخر، يكشف هذا المشهد عن استمرارية التصوف المغربي وتجديده. فالزاوية القادرية البودشيشية، التي تأسست منذ أكثر من قرن، لم تبق سجينة تراثها، بل طورت خطابها وأساليبها، لتستوعب نخباً جديدة، وتجيب عن أسئلة معاصرة، دون أن تفقد جوهرها الروحي. هذا التجديد هو ما يفسر قدرتها على البقاء، في وقت تراجعت فيه مؤسسات دينية وثقافية أخرى، وفقدت قدرتها على استقطاب الجمهور.
غير أن هذا الانفتاح يطرح سؤال الهوية والخصوصية الروحية. ولعل الجواب لا يُقرأ في الكلمات، بل يُرى في حضرة الشيخ سيذي معاذ؛ في ابتسامته التي تسبق حديثه، وفي دعائه الذي ينساب للجميع بلا تمييز. هناك تشعر أن التصوف ليس حدودًا تُرسم حول الروح، بل بابًا يُفتح لها؛ وأن من عرف معنى المحبة، عرف أن القلوب تتعدد في أشكالها، لكنها تلتقي حين يكون مقصدها الله. فالزاوية تحفظ سرّها لا بالانغلاق، وإنما بذلك النور الذي يجعل القادم إليها يجد في رحابها مكانًا لقلبه.
من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الإعلامي لهذه الفعالية. فالتغطية الإعلامية الموسعة، محلياً ودولياً، تحول مداغ إلى واجهة للتصوف المغربي، وتعزز صورته كفضاء للوسطية والتسامح. وهذا له انعكاساته على الصورة الذهنية للمغرب نفسه، خاصة في السياق الدولي، حيث تتصارع صور الإسلام بين التطرف والاعتدال. فمداغ، بهذا المعنى، تساهم في تقديم نموذج بديل، قد يكون له تأثير يتجاوز الحدود الوطنية.
في العمق، يبقى ما يحدث في مداغ تجسيداً لحاجة إنسانية أوسع: البحث عن المعنى في عالم تتسارع فيه التحولات، وتتضاعف فيه الانشغالات. فالمولد النبوي، في هذا السياق، ليس مجرد احتفال بمولود، بل هو لحظة لتجديد الأسئلة حول القيم والأخلاق والغايات. وهذا ما يفسر استمرار هذا التقليد، وتجذره، رغم كل التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.



