خولة المرابط المهدي… حكمة الوسط التي تراهن على العدالة قبل الصافرة

محمد سعيد الأندلسي

في قلب المستطيل الأخضر، حيث تتسارع الأنفاس وتتصادم الإرادات، لا يُقاس الحضور بالقوة الجسدية وحدها، بل بصفاء القرار وحدّة التركيز. هناك، في وسط الميدان تحديداً، تبرز خولة المرابط المهدي كواحدة من الوجوه التحكيمية الوطنية الشابة، تحمل صافرتها بثقة، وتدير إيقاع المباراة بعين يقظة وعقل هادئ.

 

تنحدر خولة من مدينة أصيلة، المدينة الهادئة التي تطل على البحر بروح فنية خاصة، وتصنع أبناءها على الصبر والدقة وحب الجمال. في هذا الفضاء المتوازن، تشكّلت شخصيتها الرياضية، واختارت طريق التحكيم عن قناعة، لا بوصفه دوراً ثانوياً داخل كرة القدم، بل باعتباره سلطة أخلاقية وقانونية تحمي روح اللعبة وتضمن عدالة التنافس.

 

اختارت خولة أن تكون حكمة وسط، وهو موقع يُعد من أصعب المهام في التحكيم، حيث يكون الحكم في مواجهة مباشرة مع كل تفاصيل المباراة: الاحتكاكات، الاعتراضات، التوتر، وضغط اللاعبين والجماهير معاً. غير أن ما يميزها هو قدرتها على إدارة هذه اللحظات الحرجة بثبات، معتمدة على تكوينها الجيد، ولياقتها البدنية، وقراءتها الدقيقة لمجريات اللعب.

 

ترى خولة المرابط المهدي أن التحكيم ليس مجرد تطبيق حرفي للقانون، بل فن في إدارة البشر قبل إدارة الكرة. فالحكم الناجح، في نظرها، هو من يعرف متى يتدخل، ومتى يترك اللعب يستمر، ومتى تكون الصافرة أداة للإنصاف لا للاستفزاز. هذا الوعي منحها احتراماً واضحاً داخل رقعة الملعب، رغم حداثة تجربتها في مجال يفرض الهيبة والانضباط.

 

وكامرأة شابة في عالم لا يزال التحكيم فيه مجالاً صعباً على النساء، اختارت خولة أن تواجه التحديات بالعمل لا بالضجيج. لم يكن الطريق مفروشاً بالسهولة، لكنها آمنت بأن الاجتهاد والاستمرارية هما السبيل الوحيد لفرض الذات. وبهذا، تحوّل حضورها داخل الملاعب إلى رسالة هادئة مفادها أن الكفاءة لا جنس لها، وأن العدالة لا تُطلق صافرتها بيد واحدة.

 

طموح خولة لا يتوقف عند إدارة المباريات، بل يمتد إلى تمثيل التحكيم النسوي المغربي بصورة مشرّفة، والمساهمة في تغيير الصورة النمطية عن دور المرأة في كرة القدم. تسعى باستمرار إلى تطوير مستواها، سواء عبر التكوين، أو المتابعة الدقيقة لتطور قوانين اللعبة، أو من خلال تقييم أدائها بعد كل مباراة، إيماناً منها بأن الحكم الحقيقي هو أول من يُحاسب نفسه.

 

ومن أصيلة، تواصل خولة المرابط المهدي شق طريقها بثبات، واضعة نصب عينيها أهدافاً واضحة: الحضور القوي في الساحة الوطنية، وفتح آفاق أوسع نحو مستويات أعلى من التحكيم. هي تجربة في طور التشكّل، لكنها تحمل كل مقومات الاستمرار، لأن ما يقودها ليس فقط الطموح، بل الإيمان العميق بأن كرة القدم تحتاج دائماً إلى حكم عادل قبل أن تحتاج إلى هدف جميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى