
محمد سعيد الأندلسي
في عالمٍ تُقاس فيه القيم بعدد الأضواء المسلَّطة، وتُختزل فيه الأدوار في المناصب، تبرز بعض الشخصيات خارج منطق الضجيج. لا تصرخ، لا تتباهى، ولا تبحث عن الاعتراف السريع، لكنها تمارس حضورها مثل فكرةٍ عنيدة ترفض أن تموت. لطيفة أقسيم واحدة من هؤلاء. ليست مجرد فاعلة جمعوية، ولا مجرد مستشارة جماعية، بل تجربة إنسانية تُجسّد معنى الالتزام حين يتحوّل إلى أسلوب حياة.
تؤمن لطيفة أقسيم، كما لو كانت تنطلق من حكمة قديمة، بأن العمل العام ليس امتيازاً، بل مسؤولية أخلاقية. لذلك لم تنظر يوماً إلى السياسة كسلطة، بل كأداةٍ لإعادة الاعتبار للإنسان داخل المجال العمومي. من موقعها كمستشارة جماعية بجماعة الدراركة، ورئيسة لجنة الممتلكات، لا تتعامل مع الملفات بوصفها أوراقاً إدارية، بل باعتبارها مصائر بشرية معلّقة بقرارات صغيرة قد تغيّر حياة الكثيرين.
غير أن جوهر تجربتها يتجلى بوضوح في انخراطها العميق في قضايا الطفولة. فبصفتها رئيسة المكتب الجهوي للمنظمة الوطنية لحقوق الطفل، اختارت أن تنحاز إلى الفئات التي لا صوت لها، وأن تجعل من الدفاع عن الطفل فعلاً يومياً، لا شعاراً موسمياً. الطفل، في تصورها، ليس رقماً في إحصاء، ولا موضوعاً للشفقة، بل مشروع إنسان كامل، يستحق الحماية والكرامة والإنصات.
وفي رئاستها لجمعية مبارك أعلي للثقافة والتنمية والأعمال الاجتماعية، تتجلى فلسفة أخرى: الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة وجودية. التنمية ليست أرقاماً، بل وعيٌ جماعي. والعمل الاجتماعي ليس إحساناً عابراً، بل عدالة مؤجلة يجب استعادتها. من هنا جاء اهتمامها بالفئات الهشة، وبقضايا المرأة والطفولة، ليس من منطلق عاطفي، بل من إيمان راسخ بأن المجتمع لا يُقاس بقوة أقويائه، بل بمدى حمايته لأضعف أفراده.
ما يميز لطيفة أقسيم أنها لا تفصل بين انتمائها السياسي داخل حزب التقدم والاشتراكية وبين التزامها الجمعوي. فهي ترى أن السياسة، حين تفقد بعدها القيمي، تتحول إلى تقنية بلا روح، وأن النضال الحقيقي هو ذاك الذي يربط بين الفكر والممارسة، وبين الشعار والسلوك اليومي.
في الندوات واللقاءات الحقوقية والاجتماعية التي تشارك فيها، لا تحضر بصفتها “متحدثة”، بل كشاهدة على زمنٍ يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته. لغتها هادئة، لكن أفكارها حادة. مواقفها لا تبحث عن الإجماع، بل عن المعنى. وهي بذلك تنتمي إلى مدرسة نادرة: مدرسة الفعل الصامت، الذي يراكم الأثر بدل التصفيق.
لطيفة أقسيم لا تقدّم نفسها كرمز، ولا تدّعي البطولة. لكنها، في العمق، تمارس شكلاً نبيلاً من المقاومة: مقاومة اللامبالاة، مقاومة التهميش، مقاومة تحويل الإنسان إلى هامش. وفي زمنٍ يُكافئ الصخب أكثر مما يكافئ الصدق، يبدو هذا الاختيار في حد ذاته موقفاً عميقاً.



