“الأيوبي تقرأ”.. مبادرة صيفية تجعل من الكتاب أسلوب حياة وتصنع جيلاً يتنفس الثقافة بطنجة.

في تجربة تربوية وثقافية متميزة تعكس رؤية حديثة للتعليم، أطلقت مجموعة مدارس الأيوبي للتربية والتعليم الخصوصي بمدينة طنجة، خلال صيف 2026، المبادرة القرائية “الأيوبي تقرأ”، وهي مبادرة نوعية وغير مسبوقة جسدت إيمان المؤسسة بأن بناء الإنسان يبدأ بالمعرفة، وأن الكتاب يظل الركيزة الأساسية لصناعة الأجيال الواعية والقادرة على الإبداع.
ولم تكن “الأيوبي تقرأ” مجرد برنامج صيفي اعتيادي، بل شكلت رحلة معرفية وإنسانية متكاملة، نقلت القراءة من أسوار الفصول الدراسية إلى مختلف الفضاءات الثقافية بمدينة طنجة، في رسالة واضحة مفادها أن الكتاب رفيق الإنسان في كل زمان ومكان، وأن الثقافة ممارسة يومية وليست نشاطاً موسمياً.
واستهلت المبادرة محطاتها بزيارة مكتبة الأعمدة، إحدى أعرق المكتبات بالمغرب، حيث تجول التلاميذ والتلميذات بين رفوفها العامرة بالكتب، واستحضروا عبق التاريخ ورائحة الورق، في تجربة أعادت الاعتبار للمكتبة باعتبارها فضاءً للتأمل والبحث واكتشاف المعرفة.
بعد ذلك، انتقل المشاركون إلى مكتبة أحمد بوكماخ، إحدى أبرز المنارات الثقافية بمدينة طنجة، والتي تحمل اسم أحد أعلام التربية والثقافة بشمال المملكة. وهناك اطلع التلاميذ على أرشيف غني يوثق للذاكرة الأدبية والفكرية للمدينة، واكتشفوا نموذجاً يجمع بين أصالة التراث وحداثة الفضاء الثقافي.
وفي محطة مبتكرة، احتضنت المكتبة الشاطئية والمقهى الثقافي “لحظات طنجة” جلسات قراءة مفتوحة على البحر، حيث جلس المشاركون يطالعون كتبهم على وقع أمواج البحر الأبيض المتوسط، في مشهد جسد انسجام الثقافة مع الطبيعة، وأكد أن القراءة يمكن أن تتحول إلى متعة يومية خارج القاعات المغلقة.
وفي الفضاء ذاته، التقى المشاركون بالشاعر والكاتب الدكتور عماد بوعزيزي، الذي تحدث عن مكانة الشعر في تهذيب الوجدان وبناء الإنسان، مؤكداً أن الكلمة الجميلة قادرة على بث الأمل وترسيخ القيم الإنسانية. كما ألقى مختارات شعرية لامست مشاعر الحاضرين، وحولت اللقاء إلى لحظة ثقافية وإنسانية استثنائية.
وشملت المبادرة أيضاً زيارة إلى الخزانة الصوتية لإذاعة طنجة، حيث أطر اللقاء الإعلامي الأستاذ الحبيب السليماني، الذي قدم للتلاميذ نبذة عن عالم الإذاعة والكلمة المسموعة، مبرزاً الدور الذي يضطلع به الإعلام الثقافي في نشر المعرفة وتقريب الكتاب من مختلف فئات المجتمع، مع تعريفهم بتاريخ الإذاعة وأهميتها في الحفاظ على الذاكرة الثقافية.
وانطلاقاً من فلسفة المبادرة القائمة على بناء الإنسان في مختلف أبعاده، نظمت زيارة توعوية إلى عيادة الدكتورة بشرى الوافي السباعي، أخصائية طب الأسنان. ولم تقتصر الزيارة على الجانب الصحي، بل تحولت إلى درس في الجمع بين العلم والثقافة، حيث قدمت الدكتورة نموذجاً للطبيبة القارئة التي توفق بين تخصصها العلمي وشغفها بالكتاب، مؤكدة أن القراءة توسع آفاق الطبيب وتصقل شخصيته كما تنمي حسه الإنساني. كما قدمت للتلاميذ نصائح مبسطة حول الوقاية الصحية، مشددة على أن العقل السليم في الجسم السليم، وأن الكتاب غذاء للفكر كما أن الصحة غذاء للجسد.
واختتمت فعاليات المبادرة بجلسة فكرية مميزة احتضنها منزل ومكتبة الدكتور محمد النشناش، حيث فتح مكتبته الخاصة أمام المشاركين، في لقاء جسد العلاقة العميقة بين المفكر والجيل الصاعد. وشكلت الجلسة مناسبة للنقاش حول أهمية القراءة في بناء الشخصية، ودور المثقف في خدمة المجتمع، كما أتيحت للتلاميذ فرصة التعرف عن قرب على مكتبة تضم ثروة معرفية كبيرة، في رسالة تؤكد أن البيت يمكن أن يكون أيضاً منارة للعلم والثقافة.
وأكدت مبادرة “الأيوبي تقرأ” أن القراءة ليست نشاطاً مدرسياً محدوداً، بل مشروعاً مجتمعياً متكاملاً، يجمع بين المكتبات التاريخية، والفضاءات الثقافية المفتوحة، والإذاعة، وعيادة الطبيب، وبيت المفكر، في تجربة تربوية متفردة تجعل من المعرفة أسلوب حياة.
كما برهنت مجموعة مدارس الأيوبي للتربية والتعليم الخصوصي بطنجة، من خلال هذه المبادرة، على أن المؤسسة التعليمية لا يقتصر دورها على تقديم الدروس، بل يمتد إلى صناعة الإنسان الواعي، وترسيخ قيم الثقافة والانفتاح والإبداع، عبر مبادرات تزرع حب القراءة في نفوس الناشئة وتربطهم بالكتاب باعتباره بوابة نحو المستقبل.
وإذا كان الهدف المباشر للمبادرة هو تشجيع التلاميذ على القراءة، فإن رسالتها الأعمق تمثلت في ترسيخ قناعة مفادها أن الكتاب قادر على فتح كل الآفاق؛ من ذاكرة التاريخ في مكتبة الأعمدة، إلى الفكر في مكتبة الدكتور محمد النشناش، ومن جمال الشعر في لقاء الدكتور عماد بوعزيزي، إلى قوة الكلمة في إذاعة طنجة، ومن المعرفة الصحية في عيادة الدكتورة بشرى الوافي السباعي، إلى متعة القراءة على شاطئ مدينة البوغاز.
وتستحق مجموعة مدارس الأيوبي للتربية والتعليم الخصوصي بطنجة كل التقدير على احتضانها لهذه التجربة الرائدة، التي تؤكد أن الاستثمار الحقيقي في الأوطان يبدأ بكتاب يُقرأ، وفكرة تُزرع، وإنسان يؤمن بأن المعرفة هي الطريق الأكيد نحو مستقبل أكثر إشراقاً.



