
في عالم مثالي، تكون علاقاتنا مصدر دعم وأمان. لكن الواقع أن بعض العلاقات، سواء مع شريك أو صديقة أو حتى أحد أفراد العائلة، قد تتحول إلى مصدر استنزاف دائم للطاقة والثقة بالنفس. العلاقات السامة لا تأتي دائماً على شكل صراخ أو إهانات واضحة. أحياناً تكون خفية، تتسلل إلى حياتك بهدوء، وتبدئين معها بفقدان نفسك شيئاً فشيئاً.
تقول استشارية الصحة النفسية الدكتورة هبة الرفاعي: “العلاقة السامة هي أي علاقة تشعرك فيها باستمرار أنك تستنزفين طاقتك، أو تفقدين ثقتك بنفسك، أو تمشين على قشر البيض خوفاً من رد فعل الطرف الآخر. إنها علاقة لا تتساوى فيها الأخذ والعطاء”.
وهناك علامات تحذيرية واضحة لهذه العلاقات: أن تشعري بالإرهاق بعد كل لقاء مع هذا الشخص، وأن تتعرضي لنقد مستمر لكل ما تفعلينه، وأن يجعلك تشكين في عقلك وذاكرته فيصبح لديك شعور بأنك تبالغين في تقدير الأمور، كما أنك قد تشعرين بالذنب الدائم وكأن كل مشكلة تحدث هي خطؤك. أيضاً من العلامات الواضحة محاولة السيطرة على حياتك وعلاقاتك ووقتك، وتجاهل حدودك الشخصية باستمرار، إضافة إلى المنافسة غير الصحية حيث لا يكون سعيداً لنجاحاتك بل يحاول التقليل من إنجازاتك.
لماذا نبقى في علاقات سامة؟ التفسير النفسي لذلك معقد، فأحياناً يكون الخوف من الوحدة هو الدافع، فكثيرات يفضلن علاقة غير صحية على لا علاقة. وأحياناً يكون الأمل بالتغيير، فنصدق الوعود المتكررة ونظن أن حبنا كافٍ لإصلاح الشخص الآخر. كما أن الاعتياد على العلاقة الطويلة يخلق إدماناً عاطفياً، حتى لو كان مؤلماً. والنقد المستمر يجعلنا نصدق أننا لا نستحق أفضل.
لكن الأهم هو كيف تضعين حدوداً صحية؟ وضع الحدود ليس أنانية، بل ضرورة للحفاظ على صحتك النفسية. ابدأي بالتعرف على حدودك: ما السلوك الذي لا يمكنك التسامح معه؟ متى تشعرين بعدم الاحترام؟ ثم تواصلي بوضوح وحزم باستخدام أسلوب “أنا”، فبدل أن تقولي “أنت دائماً تتصل بي في وقت متأخر”، قولي “أشعر بالإرهاق عندما أتلقى اتصالات بعد العاشرة مساءً”. تذكري أن الحدود لا تحتاج شرحاً مطولاً، فعبارات قصيرة مثل “هذا لا يناسبني” أو “لا” كاملة الجملة تكفي. كما يجب أن تجعلي لحدودك عواقب واضحة، فإذا قال لك “إذا تحدثت معي بهذه الطريقة، سأنهي المكالمة” فافعلي ذلك فعلاً عندما يتجاوز حدودك.
ليس كل علاقة سامة يجب إنهاؤها، أحياناً نستطيع تعديل مسارها بحدود واضحة. لكن هناك حالات يصبح فيها الابتعاد ضرورة: عندما تتحول العلاقة إلى إساءة جسدية أو لفظية متكررة، عندما تعانين من أعراض جسدية ونفسية كالأرق والاكتئاب، عندما تفقدين احترامك لذاتك تماماً، وعندما يرفض الطرف الآخر أي حوار أو تغيير. تذكري أن الابتعاد ليس هزيمة، بل قرار شجاع بأنك تختارين نفسك، وأنك تستحقين سلاماً داخلياً أكثر من أي علاقة.
أما رحلة التعافي بعد الخروج من علاقة سامة، فتبدأ بتقبل مشاعرك وعدم لوم نفسك على الحزن أو الغضب، ثم قطع التواصل تماماً لفترة تمنحين فيها نفسك مساحة للتعافي، وإحاطة نفسك بالأشخاص الداعمين الذين يذكرونك بقيمتك، والاستثمار في نفسك من خلال هوايات جديدة وتعلم مهارات واستعادة علاقتك مع ذاتك.
العلاقات السامة لا تحدد قيمتك. قيمتك أنت من تحددينها. تذكري دائماً أن لديك الحق الكامل في اختيار من تسمحين له بدخول حياتك، ولديك الحق في إبعاد من يؤذيك دون ذنب. الحدود الصحية ليست جدراناً تمنع الناس، بل أبواب تسمح بدخول من يحترمك ويقدرك، وتمنع دخول من يستنزفك. لأن صحتك النفسية أغلى ما تملكين، ولأنك تستحقين علاقات تحتضنك لا تستنزفك.
إذا كنت تعانين من علاقة مؤذية وتحتاجين دعماً نفسياً، لا تترددي في التواصل مع مختص صحي موثوق.



