محمد العشوري
يعد كتاب “المغرب والنظام الدولي لمنطقة طنجة 1923-1956 “من الكتب المتفردة حول موضوع لم ينل نصيبه من الاهتمام، صدر لصاحبه الدكتور سعيد عدي عن مؤسسة دار الأمان للتوزيع والنشر ومطبعة الأمنية بالرباط، وبدعم من وزارة الثقافة والاتصال، ويقع في 320 صفحة من القطع المتوسط؛يعالج عبر ستة فصول مترابطة قضية النظام الدولي لمدينة طنجة من جذوره إلى أفوله. ويسهل على القارئ فهم مرتكزات ومبادئ هذا النظام الفريد الذي لم يكن له نظير في أي قطر من أقطار العالم، والمُعمر أكثر من ثلاثين سنة دون أن يسترعي اهتمام الباحثين الأكاديميين في تاريخ المغرب المعاصر بخلاف نظام الحماية الذي نال قسطا غير يسير من الدرس والتحليل.م
يعلق الدكتور أحمد المكاوي في تقديمه للمؤَلَّف بقوله: “(…) أبرز سعيد عدي في هذا المؤلف ثلاث محطات أساسية في هذا النظام الدولي: جذوره، تجلياته، أفوله. معرجا على دراسة قضايا متنوعة من أبرزها:
– دور دار النيابة السعيدة في طنجة في خضم التنافس الاستعماري حول المغرب.
– التحولات الحضرية في هذه المدينة.
– احتلال إسبانيا للمدينة إبان الحرب العالمية الثانية وتعليقها للنظام الدولي.
– زيارة محمد الخامس للمدينة سنة 1947م وتأثيراتها.
– دور مدينة طنجة في النضال الوطني، ومنه تأسيس الجبهة الوطنية المغربية سنة 1951م، ومحاكمة بعض رموزها، فضلا عن أحداث طنجة الدامية في السنة الموالية.
وقد اعتمد المؤلف في إعداد دراسته هاته، على وثائق مغربية وأجنبية وعلى مصادر متنوعة ومتكاملة منها صحف وطنية وأوربية، شهادات ومذكرات لرجال الحركة الوطنية المغربية، إضافة إلى كتابات أجنبية… معززا تحليلاته بجداول وخرائط ومبيانات أضفت عليها قدرا كبيرا من التماسك.”
قدم الكتاب صورة موجزة حول مدينة طنجة الدولية التي تمكنت بفضل مؤهلاتها الجغرافية والطبيعية من لفت أنظار العالم، وتحولت في وقت وجيز من مدينة تعيش على إيقاع هادئ إلى قبلة للدبلوماسيين والساسة والعسكريين والعلماء والمستكشفين والمغامرين والفنانين، فانتهى بها الأمر إلى أن أصبحت عاصمة دبلوماسية للبلاد ثم منطقة دولية.
إن موضوع الإدارة الدولية في منطقة طنجة ورغم ما له من أهمية وحضور في تاريخ المغرب؛ ظل غائبا كدراسة مستقلة هادفة إلى إعادة قراءة الأحداث على ضوء ما تراكم من وثائق ودراسات ومذكرات معاصرة. وتماشيا مع توجهات المدرسة التاريخية المغربية؛ حاول الباحث سبر أغوار هذا الموضوع وملامسة مختلف تمفصلاته، والتحولات التي رافقته انطلاقا من مرحلة التمهيد له إلى مرحلة إقراره سنة 1923م، ثم مرحلة دخوله حيز التطبيق سنة 1925م، إلى تعليقه سنة 1940م إبان احتلال المدينة من طرف القوات الاسبانية بزعامة فرانكو، ثم عودة التوازن الدولي سنة 1945م وتنظيم المقاومة والعمل الوطني من أجل الحرية والكرامة والاستقلال ما بين سنتي 1947م و1956م.
اعتبر الكتاب ما عرفته طنجة من تهيئة لمجالها الحضري، وتجهيز مينائها، ومد خط السكة الحديد؛ إنما كان بهدف إعدادها لاستيعاب دور المدينة الدولية المعقود عليها، واهتمالكاتب بتشريح الظروف المحيطة التي جعلت المدينة ميدانا للصراع الدولي حول المغرب في مطلع القرن العشرين، والذي انتهى بإقرار نظامها الفريد، مبرزا مواقف الدول العظمى منه.
معركجا على الأدوار التي اضطلعت بها النخبة المخزنية المغربية من قبيل المناورة وعرقلة المشاريع والمخططات الأجنبية، واستحضر المؤلف الأدوار الطلائعية التي اضطلع بها العضو في دار النيابة عبد الله بنسعيد السلوي، والتي أفضت إلى تأجيل عقد الحماية على المغرب سنوات عديدة، عندما راسل السلطان عبد العزيز محذرا إياه من النوايا الخفية لفرنسا عبر سفيرها سان روني طيانديي، ومشروعه الإصلاحي لسنة 1905م الذي كان أول محاولة لفرض الحماية الفرنسية على المغرب، كذلك تمكن هذا السلوي أصلا والطنجوي مستقرا وموطنا من تجسيد صورة محترمة عن المغاربة عند استقباله للامبراطور الألماني بححفاوة وسلاسة في التواصل، وكان متقنا لخمس لغات، ما جعل الإمبراطور يوشحه بوسام النسر الأحمر اعترافا بكفاءته وحرفيته.
تمكن الباحث من النفاذ إلى فكر النخبة الوطنية وتصورها لمطلب الاستقلال، وإلى حياة الناس العاديين الذين عاشوا تحت وطأة هذا النظام، وتحملوا تبعاته، وقاوموه بكل الوسائل الممكنة، ودفعوا أرواحهم فداءا لوطنهم وصونا لكرامته، وإعلاء رايته بين الأمم المستقر ممثلوها وهيآتها الدبلوماسية وجالياتها بمدينة طنجة في ذلك الإبان. وتحولت إلى قبلة للوطنيين المغاربة الذين جرى التضييق على أنشطتهم في منطقتي نفوذ فرنسا وإسبانيا واستثمروا هامش الحرية الذي أتاحه وضعها الدولي، واستفادوا كذلك من مختلف وسائل التواصل الحديثة كالبريد والصحافة والمسرح. مع ما يعنيه من احتكاك مبكر بمختلف الثقافات العالمية؛ ساهم ذلك في تعزيز الرصيد القيمي لهويتهم المغربية من جهة، وإكساب السكان قدرا من اليقظة والتبصر إزاء القضايا الوطنية من جهة أخرى، وهو ما لم يلغي قيم التسامح وروح التعايش اللتان تحلا بهما المغاربة حتى في أحلك الظروف.
أبرز المؤلف كيف أثمرت أنشطة الوطنيين في طنجة تأسيس هيآت حزبية وجمعوية ونقابية ساهمت في التشهير بالاستعمار في المغرب، وكسب الدعم من مختلف الربوع، واستقطاب مؤازرة أحرار العالم من أمثال شكيب أرسلان الذي حل رسميا بالمدينة يوم 10 غشت 1930م، بهدف لقاء الوطنيين وحثهم على مواصلة الكفاح، وتحصيل المكتسبات السياسية والحقوقية، إن على المستوى الوطني أو على مستوى الوطن العربي. وأثمرت ذات الأنشطة تأسيس الجبهة الوطنية التي تعرض رموزها لمحاكمات صورية أرجعها التضامن الوطني والدولي ملحمة نضالية بوفود محامين عن هيئات مصر وسوريا والأردن وفرنسا وبلجيكا وتركيا وباكستان وأفغانستان للدفاع عن الوطنيين أمام الجهاز القضائي الدولي في طنجة.
إلى جانب ذلك؛ توقف الباحث عند زيارة محمد الخامس لطنجة يوم 9 أبريل 1947م بوصفها حدثا محوريا أفرز تصعيد وتيرة النضال والرفع من سقف المطالب الوطنية المغربية، مع ما ميز هذه المرحلة من أحداث عنف متكررة جراء الاحتجاجات الشعبية التي طالما صادفت تاريخ 30 من مارس.
وينقلنا الكتاب إلى بؤرة هذه الاحتجاجات الدامية؛ مؤشرا على السلوك المتحضر للسكان بدأبهم على تعليق أنشطتهم الاقتصادية بالمدينة عند حلول ذكرى توقيع عقد الحماية تعبيرا على رفض الوصاية الأجنبية، وقد مر هذا الموقف من منعطف خطير سنة 1952م حيث صادف ذالك التاريخ يوم سوق أسبوعي تحول إلى مواجهات مفتوحة بين الشرطة ومدنيين، راح ضحيتها المئات، وحوكم على ذمتها العشرات. واجتهد المؤلف في توظيف وتحليل المعطيات المتعلقة بهذه الأحداث وغيرها من الوقائع مع إعطائها بعدا رمزيا تجاوز حمولتها السياسية وإطارها العلائقي. مشرعا آفاق البحث حول مختلف القضايا المثارة داخل النص، والتي تستلزم تكثيف جهود الباحثين من أجل سبر أغوار النظام الدولي لطنجة.