
محمد سعيد الاندلسي
في لحظة وطنية تتقاطع فيها رهانات التنمية مع أسئلة الإنصاف الترابي وإعادة توزيع الفرص، لم يعد النقاش السياسي محكوماً فقط بمنطق التدبير والإنجاز، بل بات مدعواً إلى إنتاج رؤى قادرة على إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمجال، وجعل العدالة المجالية والاجتماعية مدخلاً لإرساء توازن تنموي أكثر اتساعاً واستدامة.
في هذا الإطار، احتضن مقر حزب الاستقلال بمنطقة البرانص بمدينة ، يوم السبت 16 ماي، أشغال الدورة العادية للمجلس الإقليمي لحزب الاستقلال بإقليم طنجة-أصيلة، المنعقدة تحت شعار: «من أجل مجتمع تعادلي منصف للإنسان والمجال»، في محطة تنظيمية وسياسية عكست انتقال النقاش الحزبي من المقاربة التدبيرية إلى أفق فكري يجعل من الإنسان والمجال مرتكزين أساسيين ضمن معادلة التنمية والإنصاف.
وشكلت هذه الدورة مناسبة لإعادة طرح أسئلة العدالة المجالية والاجتماعية في سياق وطني يتسم بتسارع التحولات التنموية وتنامي الرهانات المرتبطة بتقليص الفوارق وتحقيق التوازن الترابي، بما يجعل الفعل السياسي مطالباً اليوم بالانتقال من منطق الاستجابة الظرفية إلى منطق بناء الرؤية واستشراف التحولات المستقبلية.
وترأس أشغال الدورة عبد الجبار الرشيدي، رئيس المجلس الوطني لحزب الاستقلال وعضو اللجنة التنفيذية وكاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، إلى جانب الدكتور عبد العزيز حيون المفتش الإقليمي للحزب، وعبد السلام الشعباوي، بحضور البرلماني محمد الحمامي، والدكتور نور الدين الشنكاشي، وأعضاء المجلس الوطني ومنتخبي الحزب ومسؤولي الفروع والتنظيمات الموازية والهيئات المهنية والنقابية، فضلاً عن عدد من مناضلات ومناضلي الحزب بالإقليم.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عبد العزيز حيون أن الشعار المؤطر للدورة لا يختزل مجرد عنوان تنظيمي مرحلي، بل يعكس تصوراً سياسياً متكاملاً يجعل من العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي ركيزتين لإعادة بناء التوازن داخل المجتمع، معتبراً أن التنمية تفقد بعدها الاستراتيجي عندما تنفصل عن أثرها الإنساني والمجالي.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تفرض تعزيز الحضور الميداني والانخراط الفعلي في قضايا المواطنين، بما يرسخ مبادئ تكافؤ الفرص، ويدعم الفئات الهشة والطبقة الوسطى، ويعيد تعريف التنمية باعتبارها آلية للإنصاف الاجتماعي وليست مجرد مؤشر للنمو الاقتصادي.
من جهته، توقف عبد السلام الشعباوي عند التحديات التي تواجه إقليم طنجة-أصيلة، سواء بالمجال الحضري أو القروي، خصوصاً المرتبطة بالبنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، مشيراً إلى أن الرهان التنموي لم يعد مرتبطاً فقط بإنجاز المشاريع، بل بمدى تحقيق الالتقائية بين السياسات العمومية وضمان انعكاسها المباشر على جودة حياة المواطنين.
وفي مداخلته، ربط عبد الجبار الرشيدي انعقاد هذه الدورة بتخليد الذكرى الثانية والخمسين لرحيل الزعيم الراحل ، مستحضراً إرثه الفكري والسياسي الذي أسس لفكرة الدولة القائمة على التوازن بين الحرية والعدالة والتنمية.
وأكد أن فكر علال الفاسي لم يكن مشروعاً سياسياً مرتبطاً بمرحلة زمنية محددة، بل رؤية مجتمعية استشرافية ما تزال حاضرة في التصور الاستقلالي المعاصر، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي وبناء الدولة الاجتماعية.
كما استعرض الرشيدي المسار الوطني للحزب ودوره إلى جانب الملك الراحل والملك الراحل ، معتبراً أن التحولات التي يشهدها المغرب اليوم، وفي مقدمتها ورش الجهوية المتقدمة، تفرض إعادة صياغة العلاقة بين التنمية والمجال على أسس قائمة على التوازن والإنصاف.
وفي هذا السياق، شدد على أن الجهوية المتقدمة لا ينبغي اختزالها في بعدها التدبيري، بل يتعين النظر إليها باعتبارها فلسفة تنموية تروم تجاوز التفاوتات المجالية وبناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتوازناً يضمن توزيعاً منصفاً للفرص والإمكانات.
كما جدد التأكيد على موقف الحزب الرافض لكل أشكال المضاربة واستغلال الأزمات الاجتماعية، داعياً إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، مع إبراز الدور المحوري للشباب باعتبارهم رافعة أساسية لتجديد الفعل السياسي وصناعة التحولات المستقبلية.
واختتمت أشغال الدورة في أجواء طبعتها روح المسؤولية والنقاش البناء، في مشهد عكس استمرار الدينامية التنظيمية لحزب الاستقلال بإقليم طنجة–أصيلة، وتجديد التزامه بمواصلة الترافع من أجل نموذج تنموي أكثر توازناً، يجعل الإنسان مركز السياسات العمومية، والمجال شريكاً في صناعة المستقبل.




