قصة رحلة إلى الوهم للكاتب محمد سعيد الأندلسي

محمد سعيد الأندلسي

ليس كل ما نتمناه ندركه، وليس كل ما ندركه يتمنى. هكذا هي الحياة، تمضي بنا في دهاليز الأقدار، نبحث عن السراب نظنه ماءً، حتى إذا ما بلغناه لم نجد إلا أنفسنا نغرق في بحر من الوهم. تلك حكايتي، حكاية شاب ظن أن السعادة في مكان ما، فإذا بها تنبت تحت قدميه حيث لا يدري. 

بعد أن أتممت دراستي الثانوية، تقدمت بأوراقي إلى الجامعة كأي شاب يحلم بمستقبل يليق به. لكن أمي فاجأتني بخبر لم يكن في الحسبان:

أبي يريد تزويجي بابنة أحد أصدقائه. هي تدرس في فرنسا. وستأخذني معها. وهناك سأكمل دراستي.

لم أستوعب الكلمات في البداية. باريس! المدينة التي طالما حلمت بها، والتي رأيتها على شاشة التلفاز فقط. ها هي تمد يدها إليّ بلا مقدمات. هل يحدث هذا حقاً؟

تلك الليلة لم تذق عيني النوم. كيف أنام وحلم عمري يقرع بابي بهذه الطريقة السحرية؟ وكأن القدر قال لي: “خذها بلا تعب، فهذا وقتك“.

تأملت حالي وحال آلاف الشباب الذين يهاجرون تحت عجلات الشاحنات، وفي قوارب الموت، والموت يحيط بهم من كل جانب، لا يدرون أيصلون أم يكونون طعاماً للأسماك. وأناأنا سأذهب إلى هناك بهذه السهولة! كم أنا محظوظ! كم أنا مدلل من الأقدار!

لم أكن أعلم أن الأقدار أحياناً تدللنا لتهلكنا، وأن السهولة قد تكون فخاً نهايته الهاوية.

شهر كامل وأنا أحلم بهذه اللحظة. يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة. كان اليوم يمر عليّ كما يمر شهر، والأيام ثقيلة بطيئة، لا تكاد تتحرك من فرط شوقي لما هو آت.

ما أبطأ هذه الأيام!” كنت أقول لنفسي.
وما أمرها!” أردف في سري.
وما أكبر هذا الحلم وما أوسعه!” أهتف في داخلي.

نحن لا نعرف قيمة الأشياء إلا بثمن الانتظار. وكنت أدفع ثمن حلمي من عمري، لحظة بلحظة، دون أن أدري أن الثمن قد يكون أكبر مما أتصور.

هيأنا كل لوازم الفرح: أوراق، مستندات، طعام، شراب. دعوت كل أصدقائي، وهنأوني بهذا الفرح وهذه الرحلة.

يوم السبت كان موعد زفافي.
ويوم الجمعة التالي، سأرحل إلى بلاد الغربة، بعيداً عن أمي وأبي وإخوتي وأحبابي وأصدقائي.

ما أسعدني!

مرت تلك الأيام كما تمر السحاب في سماء صافية. جهزت أوراقي، ملابسي، كل ما يلزمني. وكلما اقتربت الساعة، ازداد قلبي خفقاناً.

اليوماليوم هو الجمعة التي انتظرتها بفارغ الصبر.

ساعة حاسمة.ساعة أرى فيها دموع الفرح ممتزجة بألم الفراق تخرج من عيون أمي وإخوتي الصغار.

ما أصعب الفراق في سبيل السعادة! وخصوصاً فراق الأم الحنون، والأب العزيز، والأخ الصغير الذي لا يفهم معنى الغياب، والأخت التي تحاول التمسك بطرف ثوبي كأنها توقّع على غيابي.

لم أعد أسمع سوى:

· سنشتاق إليك
·
لا تغب كثيراً
·
عد إلينا سريعاً

نعم، هذه هي الدنيا: أمل في اللقاء، وألم على الفراق. هكذا هي، لا تعطي شيئاً إلا وتأخذ مقابله شيئاً. تعطيني حلم السفر، وتأخذ مني دفء الحضور.

ودعوني وداعاً حاراً، كأني لن أراهم أبداً. وكأن قلوبهم كانت تشعر بما لم تشعر به عقولهم.

بينما نحن في هذا الحزن الرهيب، ابتسم أبي وقال:

· كفاكم! سيأتي لزيارتنا العام المقبل إن شاء الله. ابتسموا، ودعونا من هذا الحزن.

تناولنا طعام الغداء بصعوبة. وفي الثالثة والنصف، توجهنا أنا وزوجتي إلى المطار.

ركبت الطائرة لأول مرة في حياتي.
ما أجمل المنظر من الأعلى!

وكغيري من الشباب، التقطت صورةسيلفيداخل الطائرة. أنا وسارة زوجتي. تلك الصورة التي سأحتفظ بها كذكرى لأيام السعادة الزائفة، دون أن أدري.

استمتعت بشهر العسل كما يقولون. واستقر بنا المقام في منزلها الجميل الواسع، في مدينة الأحلام: باريس.

نعم، باريس!
المدينة التي رأيتها على شاشة التلفاز، ها أنا أمشي في شوارعها، أتنفس هواءها، أتأمل معالمها.

كانت زوجتي حريصة على أن أشاهد كل شيء، وأن تكون لي ثقافة واسعة عن كل شيء. تجولت في معظم مناطق فرنسا، كل يوم كنت أكتشف جديداً، وكل ليلة كنت أنام وأنا أقول لنفسي: “أنا في الجنة“.

لكن

أيام الصفاء لا تدوم طويلاً. هذه سنة الحياة، لا تدع لأحد فرحة كاملة، كي لا يطغى.

بدأت مرحلة المد والجزر في حياتنا.

أهملت كل شيء في تلك اللحظة. حتى الصلاة. الشيء الوحيد الذي كنت أحرص عليه هو أن تكون لي ثقافة واسعة في كل شيء. هذا كان هاجسي الوحيد. كل شيء آخر كان ثانوياً، حتى علاقتي بالله.

كم كان عقلي صغيراً! ظننت أن الثقافة وحدها تبني الإنسان، وأن المعرفة وحدها تصنع السعادة. ولم أدرك أن الروح إن جاعت، لا يشبعها إلا خالقها.

وامتداداً للخلاف بيننا، كانت تمضي زوجتي معظم وقتها خارج المنزل، وخاصة في الليل. لا أسأل أين تذهب، ولا هي تخبرني. وكأننا غريبان تحت سقف واحد.

لم نرزق خلال ثلاث سنوات بمولود. ولعل هذا زاد من حدة الخلاف بيننا. الطفل قد يكون رباطاً يشد الزوجين إلى بعضهما، وقد كان غيابه شقاقاً يزيد البين بعداً.

وصلنا أحياناً إلى الطلاق. إلى حافة النهاية. نهاية حياتنا الزوجية التي بدأت كحلم وانتهت ككابوس.

استمرت هذه الحالة أكثر من ثلاثة أشهر.

قررت العودة إلى أرض الوطن.
إلى أمي وأبي وإخوتي.

لم أرهم منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف.

لقد سئمت تلك الإهانات والأوامر التي توجهها لي زوجتي. فقد أصبحت عبئاً عليها، وأصبحت كخادم في ذلك البيت. نعم، كنت الخادم الذي لا رأي له، لا قيمة له، لا وجود له إلا بقدر ما يخدم.

عدت إلى الديار بعد حلم زائف.

عدت أجر أذيال الخيبة، أحمل في قلبي جرحاً لم يندمل، وفي رأسي أسئلة لم أجد لها جواباً: كيف تحول الحلم إلى كابوس؟ كيف كانت باريس جنة فصارت جحيماً؟ أين كنت أبحث عن السعادة؟ وأين وجدتها أخيراً؟

تغير كل شيء في البيت.
قبلت رأس أمي، فعانقتني بحرارة الاشتياق. قبلت أخي وأختي الصغيرين، وفرحا كثيراً بالهدايا التي أحضرتها لهما.

أما أبي، فكان يعرف ما جرى. كنت أتواصل معه كل يوم، أخبره بكل شيء، أستشيره في كل أمر. أما أمي وإخوتي، فلم أقل لهم شيئاً. لم أرد أن أعكر فرحتهم بلقائي. بعض الآلام تبقى كامنة، لا نريد مشاركتها مع من نحب، كي لا نثقل عليهم.

في الغد، ذهبت مع أبي إلى مقهى الحي القديم. ذلك المقهى الذي كنا نجلس فيه سوية، حيث كان يعلمني الحياة بكأس شاي وسيجارة وحديث طويل.

بدأت أحكي له ما جرى.

قاطعني قائلاً:

· اسمع يا ولدي، لقد أصبت بقرارك. لا تحزن. لو بقيت معها، لصرت موافقاً على كل ما تفعله من مصائب ومنكرات ومعاصي. لكنني سأحاول التحدث معها وإقناعها عندما تعود، لعلها تغير فكرتها.

قلت له بمرارة:

· أنت مخطئ يا أبي. تستطيع إقناع الشيطان، لكنك لن تستطيع إقناعها. لقد حاولت معها أكثر من مرة.

سألني بتعجب:

· كيف ذلك يا ولدي؟

أكملت:

· وفوق كل هذا يا أبي، بدأت تدخن السجائر وتشرب الخمر. لا تدخل إلى البيت إلا في الرابعة صباحاً. وعندما أكلمها تقول لي: “أنت لا تتكلم معي! أنا التي حققت لك حلمك، وصنعت منك رجلاً، وجئت بك إلى هنا، إلى البلاد التي كنت تراها فقط على شاشة التلفاز“.

لم يتفوه أبي بكلمة واحدة. سكت طويلاً، ثم أطفأ سيجارته بصمت.

قررت الطلاق.

كنت أظن أن الأمر سيكون سهلاً. لكنه لم يكن كذلك. بعد توافقنا، دفعت لها ما أرادت، ودفعت لي ما أردت.

عدت إلى حياتي القديمة.
ومسحت من ذكرياتي ذلك الحلم الزائف.
أو هكذا ظننت.

مع بداية العام الدراسي الجامعي، لملمت أوراقي وشهاداتي القديمة. تقدمت إلى قسم اللغة الفرنسية، وذلك لإتقاني لها من خلال السنوات التي عشتها هناك في الغربة. ربما كانت هذه هي الفائدة الوحيدة من تلك التجربة المريرة: لغة أتقنتها، وثقافة عرفتها، لأعرف من خلالها الفرق بين الحضارة والهمجية، بين السعادة واللهو، بين الحرية والفوضى.

لكن شاءت الأقدار أن أقابل صديقي وزميلي في المرحلة الثانوية.

بعد سلام حار وسؤال طويل، أخبرته أنني أحمل أوراقي للالتحاق بقسم اللغة الفرنسية.

زميلي، الذي لم يبقَ على تخرجه سوى عام واحد، كان يدرس تخصص الدراسات الإسلامية. خلال وقفتنا القصيرة على قارعة الطريق، أقنعني بالانضمام إليهم. ذكر لي الأشياء التي سأستفيدها، وأخبرني أنه سيعرفني على جميع الطلاب، وأنهم ينظمون أنشطة وندوات ومحاضرات ثقافية وفكرية.

ذكرني بأيام الدراسة الجميلة.

تلك الأيام التي كنا فيها شباباً نضحك ونمرح، ندرس ونتعلم، نحلم ونخطط. كم اشتقت إليها!

توكلت على الله، وسجلت مع صديقي في هذا التخصص.

مرت الأيام كالسحاب. وبسرعة لم أكن أتوقعها، بدأت في إعداد الأنشطة الرياضية والثقافية والندوات. كانت المجموعة التي انتميت إليها يغمرها جانب من المرح، وهذا ما افتقدته لأكثر من ثلاث سنوات.

المرح الحقيقي، ليس ذلك المرح المصطنع في حفلات باريس الصاخبة، ولا تلك الضحكات المعلبة في المقاهي الليلية. كان مرحاً نابعاً من القلب، ضحكات صادقة، ابتسامات بريئة، فرحة حقيقية باللقاء والعمل معاً.

لم يعد لدي وقت فارغ. تارة أعد بحثاً، وتارة أراجع دروسي، وأحياناً أعد محاضرة أو ندوة. أصبحت لي مهمة كبيرة، وعزيمة قوية، وإحساس بالوجود لم أشعر به من قبل.

الأصدقاء الذين رافقوني جعلوني لا أفرط في الصلاة. وأكثر من ذلك، صيام الاثنين والخميس. كنت أفعلها وأنا سعيد، لا أشعر بأي ثقل أو ملل. بل على العكس، كنت أجد فيها لذة لا تضاهيها لذة.

حمدت الله على هذه الرفقة الصالحة.

قررت مع زملائي حفظ القرآن الكريم. بدأت متخوفاً، فالكتاب كبير، والوقت ضيق، والذاكرة ليست كما كانت. لكن الله أعانني ويسر لي الاستمرار دون مشقة. وكأن كلمات الله كانت تفتح في قلبي طرقاً جديدة، تنير دروبي، تهدي خطاي، تملأ نفسي سكينة.

سبحان الله!

عندما سافرت إلى فرنسا، ظننت أنني أسعد إنسان في هذا العالم، وأنني في قمة السعادة. كنت أركض خلف سراب، أظنه ماءً حتى إذا جئته لم أجده شيئاً.

لكنني أدركت الآن: البعد عن الله هو الشقاء الأبدي.

نعم، قد تسافر إلى أقصى الدنيا، قد تمتلك أجمل البيوت، قد تتزوج أجمل النساء، قد تأكل أطيب الطعام، قد تتعلم أكثر العلوم. لكن إن كان قلبك خالياً من الله، فأنت في جحيم لا يشعر به غيرك.

أما إن عاد قلبك إلى الله، فأنت في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.

امتد نشاطي، وامتلأ بيتي بالكتب. بدأت أقرأ كل يوم كتاباً أو كتابين. لا أذهب لزيارة أحد إلا وأقدم له مجموعة من الكتب كهدية. أردت أن يشاركني الآخرون هذه النعمة، هذا النور الذي وجدته.

تغيرت حياتي كلياً.

بدأت أنظر إلى الدنيا بمنظار جديد: إنها دار ممر، وليست دار مقر. محطة نستعد فيها للرحلة الأبدية. نأخذ منها ما ينفعنا هناك، ونترك ما يضرنا. نتعلم فيها كيف نحب الله، كيف نرضى بقضائه، كيف نصبر على بلائه، كيف نشكره على نعمائه.

لم يكدر صفو حياتي سوى شيء واحد: زوجتي السابقة.

عادت إلى البلاد بعد أن أنهت دراستها. زارتنا والدتها، تطلب مني الرجوع ونسيان الماضي، والعودة إلى زوجتي.

قبلت رأسها، إكراماً لعمرها ولمكانتها، وقلت لها بكل هدوء:

· لقد نسيت الماضي كله. لكنني لا أريد العيش معها. لا أريد أن أذبح مرتين.

سألتها، وفضولي المعرفي لا يموت: هل تعرف ما كانت تفعل زوجتي هناك؟ في تلك الليالي الباريسية الباردة، وفي تلك السهرات الصاخبة؟

أجابتني أنها أخبرتها، وأنها نادمة على كل شيء.

جلست معها ساعة كاملة، أشرح لها وجهة نظري، أقول لها إن الندم وحده لا يكفي، إن تغيير النفس يحتاج إلى وقت وجهد وإخلاص. لكنني في النهاية، لم أغير رأيي. كنت قد اتخذت قراراً واحداً: لن أعود إليها.

عند خروجها، أرسلت معها هدية إلى زوجتي السابقة. كانت الهدية مجموعة من الكتب والأقراص التي تحث على التوبة ومحاسبة النفس. لا أدري إن كانت ستقرؤها أم ستلقيها في سلة المهملات. لكنني أديت ما عليّ، وتركت الهداية لله.

بينما كنت في البيت أراجع دروسي، سمعت صوت الجرس.

نزلت مسرعاً. ولما فتحت الباب، وجدت صديقي أحمد. رحبت به، ودخلنا معاً إلى غرفتي. تناقشنا في مواضيع كثيرة، وتحدثنا عن المحاضرات والامتحانات، وعن خطط المستقبل وأحلام الشباب.

وبينما نحن نتبادل أطراف الحديث، سألته:

· كيف حال حفصة أختك يا أحمد؟ وماذا تفعل الآن؟ لم أرها منذ وقت طويل. هل تزوجت؟

كان السؤال عادياً في ظاهره، لكن قلبي كان يخفق وأنا أنتظر الإجابة.

ابتسم أحمد، وقال بهدوء:

· أختي حفصة تجهز حالياً لإجازتها في الأدب العربي. وقد عاهدت نفسها أنها لن تتزوج حتى تحفظ القرآن الكريم.

سكتُّ.
وكأن الكلمات علقت في حلقي.

حفصةتلك البنت الصغيرة التي كنا نراها طفلة، ها هي قد كبرت. ها هي تحفظ القرآن. ها هي تعاهد نفسها على أمر عظيم. ما هذا الجمال؟ ما هذا النقاء؟ ما هذا الطهر؟

بعد عام دراسي كامل، انتهيت من دراستي الجامعية. وعُينت في مدرسة خارج مدينتي.

بدأت مرحلة جديدة من حياتي. مرحلة العطاء، مرحلة البناء، مرحلة زرع الخير في نفوس النشء.

استمر نشاطي. رسمت جدولاً للمحاضرات يعده الطلاب بأنفسهم، ليشعروا بالمسؤولية والمشاركة. جعلت هناك نشاطاً لحفظ القرآن الكريم، وللمسابقات والمسرح. سارت الأمور في المدرسة بشكل جيد، وصرت أعتبر طلابي كأنهم أولادي. أحبهم ويحبونني، أتعلم منهم ويتعلمون مني.

أما صديقي أحمد، فقد تعين أستاذاً للتربية الإسلامية في مدرسة أخرى. مر شهر كامل لم أره. كنت أتمنى له التوفيق في كل خطوة، وأدعو له في صلاتي أن يوفقه الله ويسدد خطاه.

بينما كنت ذاهباً إلى البيت، التقيت به مصادفة على الطريق. فرحت برؤيته كثيراً، وذهبنا معاً إلى بيته لنشرب الشاي ونتجاذب أطراف الحديث.

هناك، في بيته، التقيت بحفصة.

يا الله!

ما هذا الجمال؟ حفصة تلك البنت الصغيرة قد أصبحت امرأة. ولكن لم يكن جمالها الجسدي هو ما أسرني. كان هناك شيء آخر، شيء ينبع من الداخل، من الأعماق. كان هناك نور في وجهها، وسكينة في عينيها، ووقار في مشيتها. كان هناك القرآن، كان هناك الإيمان، كان هناك الطهر.

لم أشعر بنفسي وأنا أطلب من أخيها الزواج منها.

نعم، هكذا بكل بساطة. لم أخطط للكلمات، لم أعد العبارات. خرجت من قلبي قبل أن تمر على عقلي.

ابتسم أحمد ابتسامة عريضة، وقال:

· والله لن نجد أفضل منك يا صديقي العزيز.

ثم نظر إلى حفصة التي كانت في الغرفة المجاورة تسمع ما يدور. ابتسمت هي الأخرى وهربت. وكان ذلك كافياً. كان ذلك هو الرد.

أحسست أنها موافقة. أحسست أن قلبي وجد قلبه أخيراً.

اتفقنا على كل شيء بسرعة، وتم الزواج على سنة الله ورسوله، لا إسراف ولا تبذير. كان زواجاً بسيطاً، متواضعاً، لكنه كان مليئاً بالبركة والحب والسعادة.

نعم الزوجة: خلق ودين، صلاة وصيام ونوافل.

لا تسألوني كيف عشت معها.

 

لا تسألوني عن تلك الليالي التي كنا نقضيها في قراءة القرآن، كل منا يقرأ والآخر يستمع، ثم نتبادل الأدوار.
لا تسألوني عن تلك الأيام التي كنا نصومها معاً، نشعر بلذة الجوع والعطش عندما نعلم أننا نفعله لله.
لا تسألوني عن تلك الساعات التي كنا نتحدث فيها عن الله، عن رسوله، عن الصحابة، عن قصص التائبين والصالحين.
لا تسألوني عن تلك اللحظات التي كنا نسجد فيها معاً، نبكي من خشية الله، ونرجو رحمته، ونخاف عذابه.

أحسست بالسعادة الأبدية.

نعم، السعادة الأبدية. تلك التي لا ترتبط بمكان ولا زمان. تلك التي لا تزول بزوال الأسباب. تلك التي تملأ القلب مهما كان حولك من مشاكل وصعوبات.

مرت السنة الأولى والثانية، وما شاء الله! كأنني تزوجت حور العين.

رزقنا بولد في هذه الأيام. لم يمر على زيادة عثمان سوى خمسة أيام.

ما أسعدني به!
ما أسعدني بزوجتي الطيبة!
ما أسعدني بحياتي الجديدة!
ما أسعدني بربي الذي هداني!

سبحان الله العظيم على هذا الفضل العميم!

أكتب هذه الكلمات ودموعي تختلط بحبر القلم. أتذكر ذلك الشاب الصغير الذي كان يحلم بباريس، كان يظن أن السعادة هناك، كان يركض خلف سراب.

واليوم، أنا هنا، في بيتي المتواضع، مع زوجتي الطيبة وولدي الصغير، أشعر بسعادة لا توصف. سعادة لا تشترى بأموال الدنيا. سعادة لا توجد في شوارع باريس، ولا في أضواء لندن، ولا في فنادق دبي.

سعادة نابعة من القلب، من الإيمان، من القرب من الله.

الحمد لله الذي يغير الأحوال كيف يشاء.
من فرنسا وثقافة الغربإلى السعادة الأبدية في ثقافتنا الإسلامية والعربية.

الحمد لله الذي أخرجني من الظلمات إلى النور.
الحمد لله الذي أراني الطريق بعد أن تاهت بي السبل.
الحمد لله الذي رزقني الصحبة الصالحة بعد صحبة السوء.
الحمد لله الذي رزقني الزوجة الصالحة بعد تلك التجربة المريرة.
الحمد لله الذي رزقني الولد الصغير الذي أرجو أن يكون قرة عين لي في الدنيا والآخرة.

أليس الله بكافٍ عبده؟

بلى. وهو نعم الوكيل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى