بساتين العشق: العاطفة بصوت القمر في ديوان وفاء أمساتن

التوحد ليس قيداً يحبس صاحبه في عزلة مُظلمة، بل قد يكون قوة دافعة

لرؤية العالم بنقاء مُغاير ودهشة لا تنضب

بقلم :الدكتور عبد العزيز حيون

كاتب وناقد

القصيدة عند الشاعرة الشابة وفاء أمساتن أكثر من رصفٍ للكلمات ونظْم عابر،  فهي نافذة ممتدة من أعماق الروح إلى رحابة الكون ،وفي ديوانها  “بساتين العشق” نجد أنفسنا أمام تجربة إبداعية استثنائية تفكك الفكرة النمطية حول اضطراب طيف التوحد.

فمن خلال قريحتها السيّالة، تثبت الشاعرة، البالغة من العمر نحو 15 سنة، أن التوحد ليس قيدا يحبس صاحبه في عزلة مُظلمة، بل قد يكون قوة دافعة لرؤية العالم بنقاء مُغاير ودهشة لا تنضب.

ويتكامل الديوان، الصادر مؤخرا عن منصة “كتابي” ، كلوحة فسيفسائية تنبض بالمشاعر الإنسانية، متأرجحة بين التحدي، والأمل، والوطنية، والوجدانيات الإيمانية، لتُقدم صوتا شعريا يستحق الإنصات والتدبر والتأمل والتبصر.

في عالم كلمة، تولد القصيدة لتكون جسرا يربط بين الذات الإنسانية والكون، لكن عندما تأتي قصيدة من أعماق شابة تحدت الصمت وتجعل من التوحد قوة إبداعية، وتتحول الكلمات إلى شيء أعمق وتصبح “نوافذ على الروح”.

هذا هو الجوهر الذي يتجلى في ديوان “بساتين العشق” للشاعرة المغربية الشابة الطموحة وفاء أمساتن، الإصدار الذي يعد عبورا هادئا وفاتنا إلى عالم تتكلم فيه العاطفة بصوت القمر كبوصلة الروح .

 

ملامح العوالم الشعرية في “بساتين العشق” :

تتنوع قصائد وفاء أمساتن في هذا الديوان لتغطي ثنائيات الوجدان الإنساني، فبين الألم الشخصي والانتماء الجماعي، والشكوى واليقين، ترسم لوحاتها بالكلمات

 

1. الوعي بالذات ومعركة الإثبات والشفاء:

في قصيدتيها  “سأثبت أني شاعرة” و “أدركتُ أن الشعر سيشفيني” ، تُقدم وفاء أمساتن ، ابنة طنجة البالغة من العمر نحو 15 سنة ، مانيفستو  (Manifesto) شخصيا واضح المعالم ،إنها لا تطلب عطْفا بل تفرض وجودها الإبداعي بوعي كامل ..وشعرها ليس مجرد ترف فكري،  وإنما أداة علاجية، “ترياق”  شافي يُرمم الروح ويمنحها صوتا مسموعا في عالم يميل أحيانا للتشكيك والإقصاء .

 

2. التوق للسّلام والهروب من الثقل الإنساني :

على النقيض من رغبة التحدي، يظهر جليا تعب الروح الإنسانية في قصيدة “يا ليتني كنت هباءً منسياً” ، وهي استعارة قرآنية شفيفة تعكس لحظات الانكسار الوجودي والرغبة في الانعتاق من ثقل المعاناة اليومية ونظرات المجتمع، لتتكامل مع قصيدة  “لا تهدر قلبك على الظلام” ، التي تأتي كرسالة مواساة ذاتية، ودعوة للترفع عن الإحباطات والتمسك بنور الأمل والتفاؤل.

 

 3. البُعد الإيماني والروحي:

يتجلى اليقين المُطلق والسكينة الروحية في قصيدة  “إن الله معي”  و”بستان الروح” ..هنا، تجد الشاعرة ملاذها الآمن وحصنها المنيع، ويتراجع الخوف والاضطراب أمام فيض المعية الإلاهية وإحاطة الله تعالى بعباده، حيث يتحول “بستان الروح” إلى مساحة داخلية خضراء مُحَصنة ضد غوائل الخيبات الخارجية.

 

 4. الأمومة والمروءة كمصدر للنور والرحمة:

أفردت الشاعرة مساحة دافئة للاعتراف بالفضل والامتنان في قصائد “رشيدة.. أم النور” و”على قمة من الرحمة” و”أستاذي” و”يا ملهمي”.. و يمثل حضور الأم والمروءة والمثل الأعلى في شعرها عمودا فقريا للدعم، فالأمل لا ينمو في فراغ، بل تسقيه رعاية أمومة وصفتها الشاعرة بالـ “نور” و المروءة بـ “الرحمة”، وهي قمم شامخة استندت إليها لتواجه تحديات واقعها.

 

5. ثنائية الطبيعة والوجدان”

في قصائد مثل “طفلة البحر والألحان”  و”إلى نجمة القلب”، نلمس النقاء الطفولي في التماهي مع مفردات الطبيعة. البحر بمداه، والألحان بعذوبتها، والنجوم بنورها البعيد، كلها رموز تعكس رغبة الشاعرة في الانطلاق بلا كوابح، وعشقها للجمال المطلق.

 

 6. الجذور، الوطن، والكبرياء: 

لا تنفصل وفاء أمساتن عن محيطها العربي والوطني ، ففي “همس الوطن”  و”ابنة العروبة” و”الكرة المغربية”  .. تتسع الرؤية من الهم الذاتي إلى الهم الجماعي، لتعلن انتمائها لهوية ممتدة تمنحها القوة. هذا الانتماء يترجم كبرياءً وشموخا صريحا في قصيدتها “الجبال لا تنحني”، وهي استعارة بليغة عن الصمود في وجه العواصف، سواء كانت عواصف الاندماج الاجتماعي أو عواصف الحياة العامة.

  الخصائص الأسلوبية في الديوان

تتميز قصائد ديوان “بساتين العشق” بسمات فنية صَبغَت تجربة وفاء أمساتن بخصوصية واضحة:

 العفوية والصدق الشعوري: تغيب التكلفات اللفظية المعقدة لتفسح المجال لتدفق عاطفي صادق يمس قلب القارئ مباشرة.

 النزوع الرمزي الشفيف: استخدام مفردات الطبيعة (البحر، النجمة، الجبال، البساتين) كدلالات على الحالات النفسية للمؤلفة.

 

 الإيقاع الموسيقي الداخلي:

القصائد تحمل نبرة غنائية واضحة (كما في “طفلة البحر والألحان”)، مما يجعل الشاعرة تطوع الحروف لتعويض أي عجز في التواصل التقليدي..وتجمع ،بتميز، بين دلالتين عميقتين في الشعر ،التعبير بالإيحاء بدل التصريح والرقة والشفافية بحيث يُرى ما وراء الشيء .

 

الصفاء الوجدان: لغة شاعرة لا تعرف التكلف، بل تنساب كجدول ماء رقراق يعبر عن مشاعر الحب، الأمل، والاشتياق، ونزوع النَّفْس وتعلّقها بشيء أو شخص غائب ..وهو حالة شعورية عميقة تصف لوعة الفراق وحرارة الحنين، والرغبة الصادقة في لقاء من تعشقه النفس أو العودة إلى الأماكن والذكريات والصدر الحنون .

 

  العبور الهادئ: لا تجد في الديوان صُراخا أو سوداوية، بل تجد تصالحا جميلا مع الذات وقبول النفس الإنسانية كما هي بسلبياتها وبعيوبها وبمميزاتها، والتوقف عن جلد الذات أو مقارنتها بالآخرين لتتفنن في تحويل القسوة إلى تعاطف وتحقيق السلام الداخلي.. وفي الوقت ذاته دعوة للقارئ ليتأمل الجمال الكامن في التفاصيل الصغيرة.

 

و إذا كان للشمس حرارتها وسطوعها الحارق، فإن لقصائد وفاء أمساتن نورا يشبه نور القمر، هادئ، رومانسي، يضيء عتمة الروح برِفْق ويترك أثرا هادئا ودافئا في دواخلها ودواخل القراء.

 

  وفي شعر وفاء أمساتن  لا تصرخ العاطفة بل تهمس ،وتتكلم بصوت القمر الذي يراقب العالم في صمت، ويمد خيوطه الفضية لتواسي القلوب المتعبة من هموم الدنيا وهموم الذات، بالرغم من أن في نصوصها تتجلى قدرة مذهلة على تحويل مشاعر العزلة الافتراضية إلى طاقة حب وتواصل إنساني راقٍ ،و بالتالي العشق عندها  يتجاوز مفهوم المشاعر العابرة الى “الوطن” ، وهو البستان الذي تزهر فيه الكلمات لتتحدى كل المعيقات.

 

خلاصة القول، ديوان “بساتين العشق” لوفاء أمساتن هو أكثر من مجرد منجز أدبي، إنه “وثيقة إنسانية” دامغة على أن الإرادة والروح الإنسانية لا يمكن تحجيمها داخل أي قوالب أو تشخيصات طبية ..والشعر بالنسبة إليها جسرا من الكلمات يعبر فوق فجوات الفهم المجتمعي للتوحد، لتؤكد للجميع أن بستان عشقها للحياة والشعر يتسع للجميع، وأن نتاجها سيظل شاهدا على أنها -بالفعل وبعمق- شاعرة حقيقية ومُبدعة لا تنحني.

 

 شكرا للشاعرة وفاء أمساتن ليس فقط لأنها منحت لمكتبة الشعر المغربي والعربي  ديوانا متميزاً، بل لأنها منحتنا وثيقة إنسانية تؤكد أن الروح عندما تعشق وتبدع، فإنها تحلق فوق كل القيود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى