نادية نغم.. حين يتحول الشغف بالفن إلى هوية ورسالة

محمد سعيد الاندلسي
في مدينة تطوان، حيث تتجاور الذاكرة مع الجمال، وتتشكل الملامح الثقافية من امتزاج الفن بالتراث، اختارت نادية نغم أن ترسم لنفسها طريقاً خاصاً في المشهد الفني المغربي. طريق لا يقوم على البحث عن حضور عابر، بقدر ما يستند إلى شغف حقيقي بالفن وإيمان بأن الصوت حين يحمل إحساساً صادقاً يمكن أن يتحول إلى رسالة تصل إلى الناس وتبقى في ذاكرتهم.
منذ بداياتها، لم تنظر نادية نغم إلى الغناء باعتباره مجرد موهبة أو وسيلة للظهور، بل تعاملت معه باعتباره مساحة لاكتشاف الذات والتعبير عنها. كان الشغف هو نقطة البداية، لكنه سرعان ما تحول إلى رغبة في التعلم والتطور وخوض تجارب مختلفة، وهي الرغبة التي قادتها تدريجياً نحو منصات وجمهور أوسع.
في مسيرتها الفنية، راكمت نادية نغم مجموعة من التجارب التي شكلت ملامح شخصيتها الفنية. فقد شاركت في برنامج “نجوم الغد” على القناة الوطنية 2M، وهي تجربة منحتها فرصة للوقوف أمام جمهور أوسع واختبار قدراتها في فضاء تلفزيوني يفرض على الفنان الحضور والتركيز والثقة بالنفس.
ولم يتوقف حضورها عند التلفزيون، إذ اتجهت أيضاً إلى الفضاء الرقمي من خلال تقديم عدد من الأغاني بصيغة “Cover” عبر منصة يوتيوب، لتفتح بذلك نافذة مباشرة على الجمهور، وتقدم اختياراتها الغنائية بأسلوبها الخاص. وقد شكلت هذه التجربة امتداداً طبيعياً لرغبتها في التواصل مع المتلقي والاستفادة من التحولات التي يعرفها المشهد الفني في عصر المنصات الرقمية.
كما حضرت نادية نغم في عدد من المحطات الفنية والثقافية، من بينها مشاركتها كضيفة فنية في برنامج رفقة جواد الدغوف، وحضورها في سهرة فنية بسينما إسبانيول، فضلاً عن مشاركتها كمغنية رئيسية في أمسية احتضنتها دار الشعر بتطوان. وهي محطات مختلفة في طبيعتها، لكنها تلتقي في كونها ساهمت في بناء تجربة فنية تتقدم خطوة بعد أخرى.
ما يميز مسار نادية نغم أن حضورها لا يبدو منفصلاً عن البيئة الثقافية التي نشأت فيها. فتطوان ليست بالنسبة إليها مجرد مدينة، وإنما فضاء ثقافي وإنساني ترك أثره في رؤيتها للفن وفي علاقتها بالجمهور. مدينة تحمل تاريخاً فنياً غنياً، وتمنح الفنان فرصة للتفاعل مع أشكال متعددة من التعبير والجمال.
وفي تصور نادية نغم، لا يمكن للفنان أن يكتفي بما حققه، لأن الفن بطبيعته رحلة مفتوحة على التعلم والتجريب. لذلك تواصل تطوير أدواتها، وتتابع مختلف التجارب الفنية، وتسعى إلى اكتشاف مساحات جديدة يمكن أن تمنح صوتها وتجربتها أفقاً أوسع.
إنها تؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يصنع هويته من خلال كثرة الظهور فقط، وإنما من خلال تراكم التجارب، والقدرة على اختيار الأعمال، وبناء علاقة صادقة مع الجمهور. ولهذا تبدو مشاركاتها المختلفة أجزاء من مسار واحد، هدفه الوصول إلى شخصية فنية واضحة تحمل بصمتها الخاصة.
ولا تنظر نادية نغم إلى الأغنية باعتبارها مجرد أداء موسيقي، بل تراها لغة قادرة على صناعة التواصل ونشر الجمال. فالفن، بالنسبة إليها، يستطيع أن يجمع الناس رغم اختلافاتهم، وأن يمنح المشاعر الإنسانية مساحة للتعبير، وأن يفتح جسوراً بين الفنان والمتلقي.
ومن هنا تأتي رغبتها في الانفتاح على تجارب جديدة والتعاون مع فاعلين من مختلف المجالات الفنية والثقافية، مع الحفاظ على ملامح شخصيتها الفنية وعدم فقدان البوصلة التي انطلقت منها.
ورغم ما راكمته من مشاركات وتجارب، لا تتعامل نادية نغم مع ما تحقق باعتباره نهاية الطريق. على العكس، يبدو الطموح بالنسبة إليها مشروعاً مستمراً، وكل محطة ليست سوى بداية لمحطة أخرى أكثر نضجاً. فالفنان، كما ترى، يظل في حاجة دائمة إلى التطور، لأن الجمهور يتغير، والمشهد الفني يتطور، والتجربة نفسها لا تتوقف عن إعادة تشكيل صاحبها.
بين تطوان، التي تمنحها جذوراً ثقافية عميقة، والمنصات الفنية والإعلامية التي فتحت أمامها أبواب التواصل مع الجمهور، تواصل نادية نغم بناء تجربتها بهدوء وثبات. لا تستعجل الوصول، ولا تختصر الطريق، بل تراهن على العمل والتجربة والتراكم.
نادية نغم ليست فقط فنانة تبحث عن مكان لها بين الأصوات المغربية، وإنما صوت يحاول أن يصنع لنفسه هوية خاصة؛ هوية تنطلق من الشغف، وتتغذى من التجربة، وتكبر بالطموح، وتؤمن بأن الفن الحقيقي لا ينتهي بانطفاء أضواء الخشبة، بل يبدأ منها.



