نجلاء عربية.. حين يصبح العمل الجمعوي فلسفة للحياة

محمد سعيد الاندلسي

ليست كل المسارات تُقاس بعدد المناصب التي يشغلها أصحابها، ولا بعدد السنوات التي يقضونها في مواقع المسؤولية، فهناك تجارب تُختزل في الأثر الذي تتركه في الناس، وفي القدرة على تحويل الفكرة إلى فعل، والطموح إلى واقع. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة نجلاء عربية أقرب إلى مشروع إنساني متواصل، يقوم على قناعة راسخة بأن خدمة المجتمع ليست وظيفة عابرة، بل أسلوب حياة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ حين يتحول الإيمان بالإنسان إلى ممارسة يومية.

 

ولدت نجلاء عربية سنة 1987 بمدينة طنجة، في أسرة آمنت بقيم العمل والعطاء. ولم يكن اختيارها لطريق العمل الجمعوي وليد المصادفة، بل كان امتداداً لتربية تشبعت بروح المسؤولية وخدمة الآخرين. وتعتبر أن قدوتها الأولى في هذا المجال هو والدها السيد محمد عربية التوزاني، الذي كان له الأثر الأكبر في غرس ثقافة التطوع والالتزام في شخصيتها. ولعل المثل العربي “هذا الشبل من ذاك الأسد” يلخص جانباً من هذه العلاقة، حيث ورثت عنه روح المبادرة، والإصرار، والإيمان بأن قيمة الإنسان تقاس بما يقدمه لمجتمعه.

 

ولأن المعرفة كانت بالنسبة إليها وسيلة للفعل وليست غاية في حد ذاتها، حرصت على بناء مسار أكاديمي متين، فحصلت على إجازة في الاقتصاد، إلى جانب دبلوم في المحاسبة ودبلوم في الإعلاميات، كما عززت مؤهلاتها بعدد من الدورات التكوينية المتخصصة في التسيير الإداري والمالي، وهو ما مكنها من الجمع بين التكوين العلمي والخبرة العملية في تدبير المؤسسات والمشاريع.

 

وبدأت مسيرتها القيادية داخل جمعية اتحاد الطلبة في سن مبكرة، حيث تولت رئاسة فرع حي بنكيران سنة 2009، ثم رئاسة فرع مسنانة سنة 2012، قبل أن تتولى حالياً رئاسة فرع الحي الجديد للجمعية، وهي محطات ميدانية شكلت مدرسة حقيقية في تدبير المبادرات الاجتماعية، والإنصات لانتظارات الساكنة، وقيادة المشاريع ذات الأثر التنموي.

 

ومع سنة 2015، دخلت مرحلة جديدة من مسيرتها، بتوليها منصب المديرة العامة لجمعية اتحاد الطلبة، حيث أشرفت على تدبير عدد من المشاريع الاجتماعية والتربوية والتنموية، وساهمت في تطوير آليات اشتغال الجمعية، وتعزيز حضورها في خدمة النساء والشباب، انطلاقاً من قناعة بأن العمل الجمعوي ليس مجرد تنظيم للأنشطة، بل شراكة حقيقية في بناء المجتمع.

 

وفي السنة نفسها، أوكلت إليها مسؤولية إدارة مركز تكوين وتقوية قدرات النساء بمسنانة، التابع لمؤسسة محمد الخامس للتضامن، والذي تم تدشينه من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وأسند تسييره إلى جمعية اتحاد الطلبة. وتعد هذه المحطة من أبرز محطات مسيرتها المهنية، إذ تشرفت باستقبال جلالة الملك ومرافقته خلال زيارته للمركز يوم تدشينه، في لحظة جسدت قيمة الثقة الممنوحة للأطر المشرفة على هذا المشروع الاجتماعي، وأبرزت أهمية الدور الذي يقوم به المركز في تمكين النساء وتأهيلهن مهنياً واجتماعياً.

 

ومن خلال إشرافها على هذا المركز، ساهمت في تنزيل برامج للتكوين والتأهيل استهدفت تعزيز قدرات النساء، وتمكينهن من اكتساب مهارات مهنية تفتح أمامهن آفاق الاندماج الاقتصادي والاستقلالية، انطلاقاً من إيمانها بأن الاستثمار في المرأة هو استثمار في الأسرة والمجتمع.

 

وإلى جانب مسؤولياتها الإدارية، تواصل نجلاء عربية حضورها في العمل الميداني، باعتبارها أحد الوجوه الجمعوية التي تؤمن بأن القرب من المواطنين هو أساس نجاح أي مشروع تنموي، وأن المؤسسات تكتسب قيمتها من قدرتها على الاستجابة لحاجيات المجتمع، وليس من حجم هياكلها الإدارية.

 

كما تشغل عضوية اللجنة المحلية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية بطنجة – بوخالف، حيث تساهم في مواكبة المشاريع الاجتماعية والتنموية، ودراسة المبادرات الهادفة إلى تحسين ظروف عيش الفئات الهشة، ودعم المشاريع المدرة للدخل، في إطار رؤية تجعل الإنسان محور كل تنمية.

 

وفي المجال الرياضي، لم يكن حضورها أقل تميزاً، إذ تشغل منصب الرئيسة المنتدبة المكلفة بشؤون كرة اليد بمؤسسة ESTUDIANTES، كما أنها عضوة باللجنة النسوية بالجامعة المغربية لكرة اليد، مساهمة في دعم الرياضة النسوية، وتشجيع مشاركة المرأة في مواقع القرار الرياضي، وترسيخ قيم المنافسة الشريفة والعمل الجماعي.

 

غير أن علاقتها بالرياضة بدأت قبل ذلك بسنوات، من خلال لعبة الشطرنج، التي رأت فيها مدرسة للعقل والانضباط وحسن التخطيط. فقد توجت بطلة لجهة الشمال لمدة ست سنوات متتالية، كما حققت الرتبة الرابعة في البطولة المغربية للشطرنج سنة 2004، وهي إنجازات تعكس شخصية اعتادت التفكير الهادئ، وحسن التقدير، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

 

إن التأمل في تجربة نجلاء عربية يقود إلى قناعة مفادها أن القيادة لا تُقاس بالموقع الذي يشغله الإنسان، وإنما بالأثر الذي يتركه. فقد جمعت بين الإدارة والعمل الميداني، وبين التنمية الاجتماعية والرياضة، وبين التكوين الأكاديمي والخبرة العملية، لتبني تجربة عنوانها الالتزام، والكفاءة، والإيمان بأن خدمة المجتمع ليست مسؤولية ظرفية، بل مشروع عمر.

 

وتواصل نجلاء عربية اليوم مسيرتها بنفس الروح التي انطلقت بها، مؤمنة بأن المجتمعات لا تبنى بالشعارات، وإنما بالعمل اليومي، وبالاستثمار في الإنسان، وبالقدرة على تحويل الطموحات إلى مشاريع تنموية حقيقية. وبين الإدارة، والعمل الجمعوي، والرياضة، وتمكين النساء، ودعم الشباب، تكتب تجربة نسائية تستحق التقدير، لأنها تؤمن بأن النجاح ليس الوصول إلى المنصب، بل أن يبقى الإنسان وفياً للرسالة التي اختارها منذ البداية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى