نور الدين الشنكاشي… حين تتحول السياسة إلى أخلاق. محمد اليطفتي

محمد اليطفتي

في زمن اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه الأقنعة، وأصبح الحكم على الرجال يتم أحياناً بمنشور عابر أو كلمة عابثة أو موقف مبتور من سياقه، تظل هناك شخصيات لا تحتاج إلى كثير دفاع، لأن سيرتها اليومية هي التي تتكلم عنها، ولأن شهادات الناس فيها أقوى من كل ادعاء، وأصدق من كل ضجيج.

 

ومن بين هذه النماذج التي عرفتها عن قرب، وعاشرتها في محطات متعددة من العمل الحزبي والتنظيمي، يبرز الأخ الدكتور نور الدين الشنكاشي، نائب عمدة طنجة، وعضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال، وكاتب فرع الحزب بمغوغة، باعتباره واحداً من أولئك الرجال الذين لا يفرضون حضورهم بالصوت المرتفع، وإنما يفرضونه بهدوء الكفاءة، وصدق الالتزام، ونبل الأخلاق.

 

لقد علمتنا الحياة السياسية، بعد عقود طويلة من الاحتكاك بالناس، أن المناصب لا تصنع الرجال، وأن الألقاب لا تمنح القيمة لأصحابها، بل إن القيمة الحقيقية تنبع من ذلك المعدن الإنساني الأصيل الذي يظهر في التفاصيل الصغيرة قبل المواقف الكبيرة. والحق أن نور الدين الشنكاشي من أولئك الذين تكشفهم الأيام أكثر مما تصنعهم المواقع.

 

منذ سنوات من العمل المشترك، تأكد لنا أننا كسبنا شاباً من ذهب. نعم، شاباً من ذهب في زمن أصبح فيه الوفاء نادراً، وأصبحت المروءة عملة صعبة، وأصبحت بعض النفوس تعتقد أن السياسة مجال للصراع الشخصي أكثر منها فضاء لخدمة الصالح العام.

 

ما يميز هذا الرجل ليس فقط ما يحمله من مؤهلات علمية أو مسؤوليات تنظيمية، بل ذلك البعد الإنساني العميق الذي يطبع علاقته بالناس. فهو يستقبل الجميع بالاحترام نفسه، ويعامل الجميع بالقدر نفسه من التقدير، دون تمييز بين مسؤول بسيط أو قيادي كبير، بين من يوافقه الرأي أو من يخالفه.

 

إن الأصل الطيب لا يمكن إخفاؤه، فهو يظهر تلقائياً في المعاملة اليومية، وفي طريقة الحديث، وفي لحظات الشدة قبل لحظات الرخاء. ومن عاشر نور الدين الشنكاشي يدرك سريعاً أن التواضع ليس عنده سلوكاً مناسباتياً، ولا واجهة للتسويق السياسي، بل هو جزء أصيل من شخصيته وتكوينه.

 

أما على المستوى التنظيمي، فقد أثبت غير ما مرة امتلاكه لذكاء هادئ وفعالية عملية تجعل من الصعوبات مجرد تفاصيل قابلة للحل. فكثيراً ما وجدناه حاضراً عند الحاجة، مبادراً عند الأزمات، قادراً على إيجاد المخارج حين تبدو الطرق مغلقة، وعلى تحويل الإكراهات إلى فرص للعمل والعطاء.

 

ولعل أجمل ما في تجربته أنه اختار عن وعي وقناعة أن ينخرط في الحياة العامة، مؤمناً بأن خدمة الوطن لا تكون فقط من خلال المهن والوظائف، وإنما أيضاً من خلال المشاركة السياسية الجادة والمسؤولة. وهي القناعة نفسها التي ظل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يؤكد عليها في أكثر من مناسبة، من خلال دعوته المتواصلة إلى تجديد النخب الوطنية بالكفاءات الشابة القادرة على العطاء، وإلى فتح المجال أمام الطاقات المؤهلة للمساهمة في بناء مغرب المستقبل.

 

لقد فهم نور الدين الشنكاشي هذه الرسالة الوطنية مبكراً، فاختار طريق العمل بدل الفرجة، وطريق المسؤولية بدل الانتظار، وطريق البناء بدل الاكتفاء بالنقد من الهامش.

 

لقد قال الحكماء قديماً إن الأشجار المثمرة تُعرف بثمارها، وإن الرجال تُعرف آثارهم بما يتركونه في محيطهم من خير وعطاء. وإذا كان لكل إنسان ما يختصر مساره، فإن ما يختصر مسار نور الدين الشنكاشي هو ذلك الجمع المتوازن بين الكفاءة والأخلاق، بين المسؤولية والتواضع، وبين الانتماء الحزبي الصادق والانشغال الدائم بقضايا المواطنين.

 

إن الحديث عن الأخ الدكتور نور الدين الشنكاشي ليس حديثاً عن مسؤول منتخب يشغل موقعاً تدبيرياً فحسب، بل هو حديث عن نموذج من الرجال الذين اختاروا أن يجعلوا من السياسة رسالة خدمة وعطاء، وأن يجعلوا من القرب من المواطنين منهجاً يومياً لا شعاراً موسمياً. ولذلك استطاع أن يحجز مكانته في قلوب من يعرفونه قبل أن يحجزها في مواقع المسؤولية التي تقلدها، لأن الرصيد الحقيقي للإنسان ليس ما يملكه من سلطات أو مناصب، وإنما ما يتركه من أثر طيب في النفوس وما يزرعه من ثقة واحترام في محيطه.

 

ولعل أجمل ما يميز نور الدين الشنكاشي أنه ظل وفياً لنفسه ولمبادئه عبر مختلف المحطات، محتفظاً بتواضعه وإنسانيته وقربه من الناس، مؤمناً بأن العمل الجاد والصادق هو اللغة الوحيدة التي يفهمها التاريخ. لذلك فإن الإشادة به ليست مجاملة لشخص، وإنما اعتراف مستحق بمسار من الالتزام والعطاء وخدمة الصالح العام، وتقدير لرجل استطاع أن يجمع بين الكفاءة والمسؤولية والأخلاق، وأن يقدم صورة مشرقة للمناضل الاستقلالي الذي يظل وفياً لحزبه ووطنه ومواطنيه في كل الظروف والأحوال.

وتلك، في تقديري، هي حقيقة الأخ الدكتور نور الدين الشنكاشي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى