أمل الطريبق… حين تتحول القصيدة إلى سؤال وجود

محمد سعيد الأندلسي

ليست الكتابة عند أمل الطريبق فعلاً لغوياً عابراً، ولا القصيدة مجرد بناء من الكلمات، بل هي محاولة دائمة للقبض على المعنى الهارب، والإنصات إلى ذلك الصوت الخفي الذي يسكن الإنسان والعالم معاً. فهي تنتمي إلى جيل من الشعراء الذين لا يكتبون لأن لديهم ما يقولونه فقط، بل لأنهم يشعرون أن الوجود نفسه يحتاج إلى أن يُعاد تأمله باللغة.

 

ولدت الشاعرة بمدينة القصر الكبير، في بيت كان الأدب فيه طريقةً في العيش قبل أن يكون ممارسة ثقافية. فوالدها الأديب والمترجم عبد السلام الطريبق، وأعمامها الشعراء والمبدعون، لم يورثوها أسماءً أدبية بقدر ما أورثوها الإيمان بأن الكلمة مسؤولية، وأن الإبداع لا يُقاس بكثرة ما يُنشر، وإنما بعمق ما يتركه في الوجدان.

 

لهذا لم تتعجل النشر. كانت تؤمن أن القصيدة تشبه الثمرة؛ لا تُقطف قبل اكتمال نضجها، لأن الزمن ليس عدواً للنص، بل أحد كتّابه الخفيين. فكل نص يولد مرتين: مرة حين يُكتب، ومرة حين يصمت داخله صاحبه حتى يطمئن إلى أنه أصبح قادراً على مواجهة القارئ.

 

في تجربتها الشعرية لا تتصارع الحداثة مع التراث، بل يتحاوران. فهي تقرأ المتنبي وابن الرومي وأبا فراس كما تقرأ محمود درويش، لا باعتبارهم محطات متباعدة في التاريخ، وإنما باعتبارهم أصواتاً مختلفة لسؤال إنساني واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يمنح هشاشته معنى؟

 

لهذا تبدو لغتها مأهولة بالذاكرة، لكنها لا تسكن الماضي بل تستدعي التراث لتفتح به أفقاً جديداً، لا لتقيم فيه. فالشعر عندها ليس استعادة لما كان، بل اكتشاف لما يمكن أن يكون.

 

وعندما أصدرت ديوانها «انسياحات» سنة 2014، لم يكن الكتاب إعلاناً عن ميلاد شاعرة، بل إعلاناً عن ميلاد رؤية. ففي ثنايا الديوان تتجاور التجربة الصوفية مع التجربة الشعرية، لأن التصوف بالنسبة إليها ليس انسحاباً من العالم، وإنما بحثٌ عن جوهره. ولهذا تحضر رمزية الولي في قصائدها بوصفها استعارةً للإنسان الذي يواصل السير نحو النور، مهما تكاثفت ظلال الطريق.

 

إن النزعة الصوفية في شعر أمل الطريبق ليست زينة لغوية، بل موقف معرفي؛ إذ تتحول القصيدة إلى رحلة من الظاهر نحو الباطن، ومن الأشياء إلى معانيها، ومن اللغة إلى ما تعجز اللغة عن قوله. هناك دائماً فراغٌ جميل بين الكلمات، وفي ذلك الفراغ تقيم القصيدة.

 

ولأنها تؤمن بأن الثقافة ليست ترفاً، لم تكتف بالكتابة، بل جعلت حضورها في الندوات والمحاضرات والملتقيات امتداداً طبيعياً لدورها الثقافي، مساهمةً في النقاش حول قضايا التنمية، والتمكين السياسي للمرأة، ومدونة الأسرة، والتراث، وغيرها من الأسئلة التي تلامس الإنسان في واقعه اليومي.

 

ولعل أكثر ما يميز تجربتها أنها لا تفصل بين الشاعرة والإنسانة؛ فكما تبحث في القصيدة عن المعنى، تبحث في الحياة عن أثر ذلك المعنى. ولذلك لا تبدو الكتابة لديها غاية، بل طريقاً. ولا تبدو القصيدة نهاية، بل بداية لسؤال جديد.

 

لقد وثق عدد من الباحثين والنقاد لتجربتها، واحتفت بها المنابر الثقافية داخل المغرب وخارجه، غير أن القيمة الحقيقية لهذه التجربة لا تكمن في الجوائز أو التوثيق، وإنما في قدرتها على الاستمرار. فالقصيدة التي تكتبها أمل الطريبق لا تطلب التصفيق، بل تطلب قارئاً يغامر معها في اكتشاف ذاته.

 

إنها شاعرة تؤمن أن اللغة ليست وسيلة لوصف العالم، بل وسيلة لإعادة خلقه، وأن الشعر ليس مرآةً للحياة، بل نافذة يطل منها الإنسان على احتمالاته اللامتناهية. لذلك تستمر في مشروعها الشعري، كما تستمر شهرزاد في الحكي، لأن الحكاية لا تنتهي ما دام الإنسان يبحث عن نفسه، وما دام السؤال أجمل من الجواب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى