سعاد البازي المرابط… حين يصبح الشعر وطناً، وتصير الكلمة مرآةً للروح.

محمدسعيد الاندلسي
في لحظة تاريخية تتصاعد فيها وتيرة الاستهلاك وتتقلص مساحات التأمل، وتتكاثر الأقنعة على وجوه المبدعين، تبرز تجربة الشاعرة المغربية سعاد البازي المرابط كاستثناء نادر. إنها تجربة لا تنتمي إلى الشعر بوصفه بناءً لغوياً أو مهارة بلاغية، بل باعتباره رؤية للوجود، ومحاولة دائمة لإعادة اكتشاف الإنسان في زمن تبدو فيه المعاني الثابتة في حالة ذوبان مستمر تحت وطأة العجلة والصورة.
فالشعر في مشروعها الإبداعي فلسفة حياة متكاملة، تضع الإنسان في مركز الوجود لكنها لا تمنحه سيادة مطلقة، بل تذكره بهشاشته، وبحاجته الدائمة إلى الجمال كخلاص، وإلى اللغة كملاذ أخير من جنون العالم. إنها تجربة تلتقي فيها الذات بالكون، ويتحاور الخاص بالعام، وتصبح التفاصيل الصغيرة بوابات لا نهائية للتأمل الفلسفي.
تأخذنا عناوين دواوين سعاد البازي المرابط في رحلة وجودية مترابطة، وكأنها محطات في سيرة روحية واحدة، تنتقل من سؤال البدايات إلى حكمة التجربة، ومن دهشة الطفولة إلى وقار النضج، ومن رغبة التملك إلى وعي الجمال في العطاء.
في “تأشيرة باب الحياة”، نقرأ سؤالاً وجودياً عن شروط الدخول إلى الحياة ذاتها، وعن المعابر التي نصنعها بأيدينا أو تمنحنا إياها الصدفة. إنه اعتراف ضمني بأن الحياة سفر لا يبدأ إلا بإذن من المجهول، وبشجاعة تواجه المجهول.
أما “ثلاثة أرباع قلب” فيطرح سؤال الناقص، عن ذلك الربع المفقود الذي قد يكون الهواء، أو الحلم، أو الحب الذي لم يكتمل. إنه إعلان بأن الكمال وهم، وأن الجمال الحقيقي يكمن في النقص الذي يظل دافعاً للبحث والسعي.
وفي “حبر من الجلنار” – والجلنار شجر الرمان رمز الخصوبة والحياة والدم – يتوحد الحبر بالجسد، وتصير الكتابة نزفاً روحياً، وكأن القصيدة تُكتب من عصارة التجربة لا من مداد القرطاس.
أما “حصتي من إرث شجرة” فيمثل بلوغاً لفلسفة الانتماء والجذور؛ حيث تختار الشاعرة إرثاً ليس أرضاً ولا مالاً، بل شجرة، رمز الحياة المتصلة بالتربة، الممتدة نحو السماء، الصابرة على الفصول، المتجددة رغم كل شيء. إنه اختيار للانتماء الحيوي بدل المادي، وللجذر الممتد في عمق التاريخ بدل السطحيات التي تتقاذفها الرياح.
وتأتي “يُحكى أنني ريشة” لتختتم المسيرة باعتراف بالخفة والطيران والانسياب، لكنه اعتراف أيضاً بالهشاشة، وبأن الشاعرة مجرد أداة تكتب بها الأقدار، أو ريشة في مهب الريح تسجل ما يمر بها دون أن تملك الكثير من السيطرة على وجهتها. إنه سؤال مصيري عن الإرادة الحرة، وعن دور الشاعر في كتابة نصه ونص العالم معاً.
هذه العناوين، مجتمعة، تشكل ميثولوجيا شخصية تمنح القارئ مفاتيح الدخول إلى عالم الشاعرة، دون أن تخبره بما سيقرأ، بل بدعوته إلى رحلة داخل ذاته، لأن الشعر عندها لا يمنح أجوبة جاهزة، بل يوقظ الأسئلة التي ظلت نائمة في الأعماق.
في عالم سعاد البازي الشعري، تتحول الأشياء العادية إلى رموز أنطولوجية تخترق سطح المعنى وتصير إشارات إلى الحرية والانتماء والذاكرة والموت والحياة والأمل والفقدان. النافذة ليست مجرد فتحة في الجدار، بل فضاء للحرية والانتظار والتأمل. الريشة ليست أداة كتابة فحسب، بل رمز للخفة والهشاشة، وللقدر الذي يكتب الإنسان دون استئذان. الشجرة ليست مجرد نبات، بل جذور تمتد في عمق التاريخ، وصبر على الفصول، وتجدد رغم الجراح. والزهرة ليست زينة عابرة، بل لحظة جمال تعلّم الصبر على الفناء وقيمة العطاء دون انتظار مقابل.
وهذا المعجم الخاص لا يمنح الأشياء قدسية غير عادية فحسب، بل يرفع التفاصيل الصغيرة إلى مرتبة الرموز الكونية، ويرى في العالم نسيجاً من العلاقات الخفية حيث كل شيء يتصل بكل شيء، وحيث القصيدة ليست انعزالاً عن الواقع بل تأويلاً له، وحيث الشاعر ليس نبياً ولا معلماً، بل إنساناً يشارك الآخرين رحلته في البحث عن المعنى، دون أن يدعي امتلاك الحقيقة النهائية. إنها رؤية تواضعية للشعر، تجعله أقرب إلى الصلاة أو التأمل منه إلى الخطابة أو الإعلان.
تنتمي سعاد البازي المرابط إلى جيل من المبدعات المغربيات والعربيات اللواتي اخترن أن يصنعن حضورهن بالصبر والاشتغال الجاد، بعيداً عن ضجيج المشهد الثقافي الذي أضحت فيه الشهرة غاية والظهور الإعلامي مقياساً للنجاح. لقد آثرت أن تكون قصيدتها هي صوتها، وأن يكون صبرها على الكتابة هو عنوانها.
غير أن هذه المسؤوليات لا تمثل بالنسبة إليها ألقاباً أو مناصب، بل فضاءات لخدمة الثقافة، وإيماناً راسخاً بأن الإبداع الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى فعل جماعي يفتح الأبواب أمام الآخرين، ويتجاوز العزلة الفردية ليكون جسراً يصل بين القلوب والعقول. إنها ترى أن الشاعر لا يملك النص وحده، بل يملك أيضاً مسؤولية تجاه الجماعة التي ينتمي إليها، وتجاه اللغة التي يكتب بها، وتجاه المستقبل الذي ستحمل قصيدته بصمته فيه.
تشغل سعاد البازي حالياً منصب رئيسة فرع تطوان لرابطة كاتبات المغرب، وهو منصب يؤكد المكانة التي بلغتها في المشهد الثقافي المغربي، إلى جانب عضويتها في بيت المبدع بطنجة، ومؤسستها لصالون “أديبات الصفوة” بتطوان وكابو نيقرو، وإدارتها لصالون “اذكريني” بجمعية الطيب الإدريسي.
ويمتد حضورها المؤسساتي إلى المجال الجمعوي الإنساني، حيث تشغل منصب الكاتبة العامة لجمعية الألفية الثالثة، ونائبة الكاتبة العامة لجمعية مرضى الصرع، في تجربة تعكس انخراطها العميق في خدمة المجتمع والدفاع عن قضايا الفئات الهشة والمهمشة. وهذا العمل الجمعوي، الذي لا يضيف عناوين براقة إلى السيرة الذاتية، هو في جوهره امتداد للرؤية الفلسفية التي تتبناها الشاعرة: أن الإنسان ليس جزيرة، وأن الجمال الحقيقي هو الجمال الذي يتحول إلى فعل، وأن القصيدة لا تكتمل إلا عندما تترجم إلى موقف إنساني في الواقع.
واللافت في مسيرتها أنها فضَّلت الحصول على التقاعد النسبي منذ مدة، لتتفرغ للعمل الجمعوي أولاً، وللاهتمامات الثقافية والإبداعية التي استقطبتها، إيمانا منها بأن العطاء لا يرتبط بالوظيفة بقدر ما يرتبط بالإرادة والرغبة في خدمة الإنسان والثقافة، وأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بموقعه في السلم الإداري أو بحجم دخله الشهري، بل بعمق أثره في حياة الآخرين. هذا الاختيار، الذي قد يبدو في زمننا محفوفاً بالمخاطر وغير مفهوم في ثقافة تكرس للنجاح المادي، يكشف عن نضج روحي ووعي عميق بحقيقة القيمة الإنسانية.
لم تقتصر تجربة سعاد البازي على الحدود المغربية، بل تجاوزتها إلى فضاءات أوسع، حيث تُرجمت بعض أعمالها إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية، في خطوة تحمل دلالة تاريخية عميقة، إذ تحوِّل أدوات الهيمنة الاستعمارية السابقة إلى جسور للحوار، وتعيد كتابة علاقة المغرب بجيرانه الأوروبيين بلغة الجمال بدل لغة القوة.
شاركت الشاعرة في مهرجان السلام بمدريد سنة 2018، وهو حدث يحمل دلالات خاصة في زمن تتصاعد فيه النزعات العنصرية وتتضاعف خطابات الكراهية، حيث حملت قصيدتها رسالة سلام وتضامن إنساني، مؤكدة أن الكلمة الجميلة أقوى من الرصاص. كما كان لها ثلاث مشاركات أدبية بمدينة إشبيلية خلال شهر شتنبر الماضي، حيث كانت محور أمسيات شعرية حضرها جمهور متنوع من المغاربة والإسبان والعرب والأوروبيين، وتفاعل مع نصوصها التي تُقرأ بالعربية وتُترجم فوراً إلى الإسبانية، لتؤكد مرة أخرى أن القصيدة المغربية قادرة على عبور الحدود وصناعة حوار إنساني يتجاوز اختلاف اللغات والثقافات، وأن الجمال لغة عالمية يفهمها الجميع.
كما شاركت عدة مرات بتونس في لقاءات ومهرجانات جمعت شعراء من مختلف البلدان العربية، حيث التقت تجربتها بتجارب أخرى، وتبادلت الرؤى والأسئلة، وأكدت أن الشعر العربي رغم تعدد أقطاره يظل لغة واحدة تجمعها القواسم المشتركة وتثريها الخصوصيات المحلية.
وامتد حضورها إلى العمل الإعلامي والتحريري، حيث اشتغلت منسقة لاختيار النصوص الأدبية التي كانت تنشرها مجلة أغاريد اللبنانية، وهو عمل يكشف جانباً آخر من شخصيتها الثقافية، حيث لم تكتف بكتابة الشعر، بل ساهمت في اكتشاف الأصوات الجديدة، مؤمنة بأن الإبداع الحقيقي لا يحتكر الضوء بل يوزعه على الآخرين، وأن الشاعر الحقيقي هو من يفتح الأبواب لمن يأتون بعده. كما كانت مشرفة على باب “حوار” بمجلة عربية تصدر بإسبانيا Le Point24، حيث ساهمت في مد جسور التواصل بين المبدعين العرب، وتقديم الأدب المغربي والعربي للقارئ الإسباني والأوروبي، في حركة ثقافية تعكس انفتاح المغرب على جواره الأوروبي وقدرة الثقافة العربية على الحوار مع الثقافات الأخرى دون فقدان هويتها.
وفي سياق حضورها الإعلامي، حلت ضيفة على عدد من البرامج الإذاعية، بإذاعة طنجة مع الإعلاميتين عزيزة لگزيري ونزهة بنادي بركة، وإذاعة كاب راديو مع الإعلامية حنان عزوز، إضافة إلى إذاعة ورزازات، حيث تحدثت عن تجربتها الشعرية ورؤيتها للكتابة والعلاقة المعقدة بين الشاعر والعالم. وفي هذه اللقاءات، لم تقدم الشاعرة نفسها كنجمة أو كشخصية عامة، بل كإنسانة تشارك الآخرين شغفها بالكلمة، وتفتح لهم نافذة على عالمها الداخلي.
استوقفت تجربة سعاد البازي المرابط عدداً من النقاد والباحثين من مختلف أرجاء الوطن العربي، فكتبوا عنها دراسات وأوراقاً نقدية تناولت جماليات نصوصها وبنيتها اللغوية ورؤيتها الفكرية وعلاقة شعرها بالتراث والصوفية والحداثة. وليس من السهل أن يثير شاعر هذا القدر من الاهتمام النقدي، إلا إذا كانت تجربته تمتلك الخصوصية والقابلية للتأويل، وتفتح أمام القارئ والناقد معاً آفاقاً متعددة للقراءة، وتستوعب المناهج النقدية المختلفة دون أن تذوب فيها.
لقد وجد النقاد في نصوصها مادة خصبة للتحليل، فتنوعت مقارباتهم بين:
-
مقاربات أسلوبية رصدت البنية الإيقاعية التي تجمع بين العمودي والتفعيلة والقصيدة النثرية، واهتمت بالصور الشعرية التي تمزج بين الحسي والتجريدي.
-
مقاربات موضوعية وقفت عند قضايا المرأة والهوية والانتماء والحب والموت والحياة، ورأت في نصوصها رؤية خاصة للأنثى بوصفها ذاتاً كاملة، لا ضحية تبكي ظلمها ولا بطلة خارقة تعلن ثورتها، بل كائناً يبحث عن مكانه الطبيعي في العالم، ويقاوم بالصبر والجمال والوعي.
-
مقاربات صوفية تتعقب إيحاءات الحب الإلهي والبحث عن الحقيقة في نصوصها، وترى في تجربتها امتداداً للروح الصوفية التي تمزج بين الحب الإنساني والإلهي، وبين الفناء في الجمال والبقاء في الكلمة.
-
مقاربات حداثية ترد تجربتها إلى أفق الرواد كالسياب والبياتي وأدونيس، مع التأكيد على الخصوصية المغربية الواضحة التي تجعلها تنتمي إلى تيارها الخاص ولا تذوب في التيارات الأخرى.
وهذا التعدد في المقاربات يؤكد أن تجربتها ليست أحادية البعد، بل هي نسيج معقد من التأثيرات والمرجعيات والإبداعات، مما يجعلها مادة خصبة للنقد الأكاديمي والقراءة العامة على السواء.
في زمن تسارعت فيه إيقاعات العيش، وتناثرت الأضواء على وجوه عابرة، وتلاشت المعاني تحت وطأة الصور والاستهلاك، جاءت تجربة سعاد البازي المرابط لتذكرنا بأن الشعر الحقيقي يبقى، وأن الكلمة الصادقة هي وحدها القادرة على أن تكون جسراً بين الروح والكون. إن قصيدتها ليست انفصالاً عن الواقع، بل مواجهة له، وإعادة تشكيل له على نحو يجعل الحياة أكثر احتمالاً، والوجود أكثر معنى، والعلاقات أكثر عمقاً.
لم تجعل من الشعر وسيلة للظهور أو للترقي الاجتماعي، بل جعلت منه أسلوباً في العيش، ونافذة ترى منها العالم، وجسراً تعبر به نحو الآخر، ومعجماً تفهم به نفسها أولاً ثم تفهم به الآخرين. لقد آثرت أن تمشي في الطريق الأصعب؛ طريق الكلمة الصادقة التي لا تبحث عن إرضاء أحد، ولا عن تلبية موضة، ولا عن التوافق مع خطاب سياسي أو أيديولوجي معين.
فالقصيدة التي تكتبها اليوم قد تصبح غداً جزءاً من ذاكرة قارئ لم تعرفه قط، وقد تنقذ روحاً من اليأس، أو تمنح إنساناً شجاعة الاستمرار، أو تفتح أمام عاشق طريقاً للتعبير. لهذا السبب، تظل سعاد البازي المرابط واحدة من تلك الأصوات التي اختارت أن تجعل من القصيدة وطناً، ومن الكلمة مرآة تعكس جمال الروح الإنسانية وتعقيداتها، ومن الشعر فلسفة حياة تستحق العيش. إنها تثبت، بين ديوان وآخر، وبين صالون ومهرجان، وبين منصب قيادي وعمل تطوعي، أن الإنسان سيظل، مهما تغير الزمن، في حاجة دائمة إلى قصيدة تذكره بأنه ما زال قادراً على الحلم، وأن الجمال ما زال ممكناً، وأن المعنى ما زال يستحق البحث عنه.



