
محمد سعيد الأندلسي
هناك لحظات في الزمن تتوقف فيها اللغة، لا لأنها تعجز، بل لأن الوجع أعمق من أن يُروى.
سعاد خزرون، الشاعرة والروح الشفيفة، غادرت هذا العالم في صمت، كما كانت دائمًا: أنيقة في حضورها، راقية في غيابها، صادقة في حرفها.
لم تكن سعاد تكتب الشعر فقط، بل كانت تعيشه. كانت القصيدة جزءًا من جلدها، والحنين الذي يسكن كلماتها لم يكن اصطناعًا بل مرآة روحٍ تؤمن أن الكتابة طُهر، وأن من يخون الكلمة يخون نفسه أولًا. كانت ترى في الشعر رسالة قبل أن يكون شكلًا، حياةً قبل أن يكون إيقاعًا.
لقد كانت عزيزة على الجميع، لا لأن الموت يمنحنا فجأة مشاعر النبالة تجاه الراحلين، بل لأنها كانت فعلًا كذلك في حياتها: صديقة صادقة، مبدعة دون ادّعاء، حاضرة دون ضجيج، منصتة أكثر من متحدثة، ومُحبة أكثر من أنانية هذا الزمن.
كانت أختًا وصديقة، وأنا على يقين أن فضائلها لن تُنسى.
لقد زرعت حولها المحبة والبساطة والصدق، وها نحن اليوم نحصد ثمار ذلك الحب الذي أحاط بها حيّة، ويزداد بعد رحيلها.
رحلت سعاد، وتركَت خلفها ما هو أصدق من الكلمات: أثر.
ذلك الأثر الذي لا يُقاس بعدد الدواوين، بل بمقدار الحب الذي زرعته، والصدق الذي خطّته، والقلوب التي انفتحت لها دون خوف.
اليوم، إذ نرثيها، فإننا لا نرثي فقط جسدًا غادر، بل نرثي حضورًا شعريًا ظلّ شامخًا في التواضع، متألقًا في الظل، ومضيئًا رغم كل عتمات الحياة.
وداعًا سعاد…
وداعًا لمن كانت لنا أختًا وصوتًا وأفقًا.
وداعًا لمن غادرت، ولكنها تركت من نور قلبها ما يكفي ليضيء لنا هذا الطريق الطويل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



