
محمد سعيد الأندلسي
في زمن تتنازع فيه الأغنية العربية بين موجات الاستهلاك التجاري وسرعة الانتشار الرقمي، يبرز صوت نادر يغرّد خارج السرب، صوت يحمل بين طبقاته حنين الجذور، وعبق الروح، وصفاء النية. إنها الفنانة المغربية مليكة نور، ابنة الحسيمة، والمقيمة في بلجيكا، التي اختارت أن تسلك درب الفن الصوفي والإنشاد الراقي، حاملة رسالة سامية في زمن الضجيج.
تنحدر مليكة نور من أصول أمازيغية ريفية، ومنذ بداياتها الأولى أبدت شغفًا خاصًا بالفن الذي يسمو بالروح، ويُهذب الإحساس، ويزرع السكينة في القلوب. لم تنجرف نحو الأغاني السريعة أو الشهرة السهلة، بل اختارت أن تبني مشروعًا فنيًا عميقًا، له جذور في التصوف المغربي، وأجنحة تحلق بها نحو العالمية.
من خلال إصداراتها الفنية المتنوعة، التي تمزج بين الأناشيد الصوفية والموشحات الروحية، استطاعت مليكة أن تخلق لنفسها جمهورًا خاصًا، يقدر الكلمة الهادفة واللحن العذب والأداء الصادق. أعمالها لا تتوجه فقط للحواس، بل تخاطب القلب والعقل، وتلامس عمق الإنسان الباحث عن السلام الداخلي والمعنى الحقيقي للحياة.
وقد لُقبت عن جدارة بـ“سفيرة الأغنية الصوفية“، تقديرًا لمسارها الفني المتميز، الذي يجمع بين الفن والروح، بين الجمال والنقاء، بين الشرق والغرب، بين الحسيمة وبروكسيل.
رغم إقامتها الطويلة في بلجيكا، ظل المغرب حاضرًا بقوة في أعمال مليكة نور، ليس فقط من خلال الكلمات أو اللغة، بل عبر الروح التي تنبعث من أدائها. إنها تمثل صورة مشرقة للمهاجر المغربي الذي لم يقطع صلته بالوطن، بل حمله معه في صوته، في ملامحه، وفي كل تفصيلة من فنه.
وقد لعبت دورًا هامًا في التعريف بالتراث المغربي الصوفي وسط الجمهور الأوروبي، من خلال مشاركاتها في مهرجانات ثقافية ودينية، حيث لقيت أعمالها ترحيبًا كبيرًا، واعتُبرت جسرًا حقيقيًا بين الحضارات.
اليوم، تواصل مليكة نور رحلتها الفنية بإيمان راسخ بأن الفن الصوفي ليس ترفًا، بل حاجة إنسانية عميقة. تقول في أحد حواراتها السابقة: “في زمن مضطرب، يحتاج الإنسان لفن يعيده إلى جوهره، يُذكّره بأن الروح لا تُروى إلا بالجمال والصفاء“.
من الحسيمة إلى بروكسيل، من الأغنية الصوفية إلى مسامع العاشقين للصفاء، تؤكد مليكة نور أن الفن الحقيقي لا يعرف حدودًا، وأن الصوت إذا حمل النور، يصل القلوب مهما بعدت المسافات.



