ثقافة وأدب

الدعوة للتمديد في مواجهة عودة كوفيد للتهديد والتسديد

 

بقلم: د. عبد الكبير بلاوشو

كلية العلوم – جامعة محمد الخامس الرباط

 

لَنْ يَنْسَى التَّاريخ أن هُناك ثَائِرٌ على الأوضاع أَتَى من العالم اللاَّمُتَناهِي في الصِّغَر لِيَتَمَرَّد على الأَوْضَاع ويقوم بِتَغيِير المواقع وَقَلْب الوَظائِف والأدوار ويفرض قواعده على الكبار ولا يقبل بقرارات مجلس الأمن على الأرض ولا يفقه في شروط الهدنة والحوار: إنه الثائر/المُتمرِّد “كورونا”.

– كورونا أَتَى لاختبار القيم الإنسانية بداخلنا بحيث كشف عن خلوّ الضمير من أية بوصلة أخلاقية تحدّد وِجهَتَنَا.

– كورونا بدّل ملامح الأرض ومن عليها وسيُبَدِّل موازينها ونُظُمها.

– كورونا أسقط القناع عن وجه الغرب في حرب الأجهزة والأقنعة والسَّطْو على الكَمَّامَات (الذهب الأبيض) إنه السقوط في قنوات الصِّرف والحظر الصّحي.

– كورونا حوَّل المختبرات العالمية إلى ساحة معارك تجارية للوصول إلى عقار أو لقاح.

– كورونا جائحة فاضحة للثغرات وقلب سُلَّم الأولويات.

– كورونا كشف على أن العالم المُتَقدِّم ليس بأفضل حال على مستوى الإجراءات والتدابير الصِّحية من الدول النامية والنائمة.

– كورونا شكَّل اختباراً صَعباً لِنَجاعَة وفعَّالية النُّظُم سواء في مجال الصحة والتعليم أو في مجال الطاقة والمال والأعمال.

– كورونا أصبح وَرَقَة نَعْي للنِّظام العالمي وإفلاس حقيقي للمنظومة النيوليبيرالية بفروعها وأصولها وكبَّدها نتائج فادحة.

– كورونا أَبَانَ عن غياب استراتيجيات الإستعداد والتَّحْصِين والإستباق مع طرح سؤال الإستجابة للتحدّي والتصدّي والقدرة على التعبئة والتهدئة.

– كورونا أضاف أوجاع إلى فئات هشَّة وعريضة تعيش على الهامش وأكثر عُرضَة للإصابة. لكن من عَدَالة كوفيد التاسع عشر أنه لا يعرف أميراً ولاَ غفيراً ولا أسيراً…

– كورونا أسقَط برامج ومشاريع الضاقة والظلم والفراغ والفاقة من أجندة الاهتمام الخاص والعام.

– كورونا أنهى صلاحيَّة الأسلحة العسكرية الخفيفة والثقيلة من خلال الإقبال على أجهزة التّنفُّس والكمامات كَسِلاَح ضروري في مواجهته.

– كورونا جعلنا نعيش فيلماً سينمائيًا واقِعياً مُرعِباً ونحن نرى يومياً صوراً لألبِسَة بالأقنعة والكمامات كأن الواقعة قد وَقَعَت ليست لِوَقعَتِها كاذبَة تُنذِرَنا بقيام الساعَة.

– بسبب كورونا كل الدول استدعت جيوشها للساحة ودعت إلى تطبيق حالة الطوارئ في القطاع الصحي عِلْماً أن الجيش هو منظومة للدفاع في حالة قِتَال. كُلّ هذه الإجراءات الإستثنائية من أجل السيطرة على فيروس وضبط أنشطته المشبوه فيها وحركته غير الشرعية العابرة للحدود في انتظار فعالية أي عقار ونجاعة وسلامة أي لقاح هكذا تُرفَع القُبَّعَة للدول التي تحترم وظيفة البحث العلمي في هيكَليَّتِه ونُظُمِه وموارده وليس في خَفْضِ ميزانيته وفَرْض الضريبة على الفاعلين في مجاله.

– كورونا جعلَنا نستشعر أن حجم الصدمة النفسية التي يُحدِثُها هي بِحَجم كارثة الأرقام التي يحصدُها في الإصابات والوفيات.

النقطة المثيرة للإنتباه والإهتمام هو أن كورونا وإن كان غير عاقل وليس بكائن حيّ فهو يُنذِرنا ويحذِّرنا بكل وضوح وشفافية على أنه عندما يَحِلُّ ضيفاً بمجتمعٍ ما، فهو يَحترِم ويَلتزِم بنفس الخُطوات والمراحل بدءًا بالحضانة والإنتشار ثم الإنحسار والإنكماش بعدها يرجع للإنقضاض في موجة ثانية إذا لم يتم تسطيح مُنْحَناه إلى الصِّفْر تجنُّباً لِحصول انتكاسة عند اتخاذ أي إجراء غير مدروس للتخفيف من تدابير مكافحته.

اليوم نحن أمام مرحلة فاصلة وحاسمة مرتبطة بتفعيل ثلاثية “الإرادة/القدرة/القوة” في استجابتنا كمجتمع/دولة على المسار التعبوي والمصير الحيوي في مواجهة أزمة كورونا بكل تداعياتها وأبعادها. من هنا يصبح التمديد ضرورة إجرائية لمنع “استراتيجية الزَّحْف”، والعودة القاتلة في إطار الموجة الثانية مع أي قرار لرفع الحظر الصحي دون تقعيد صِفْرِي لنشاط المتمرد الجائح.

إنَّ المسألة لا تتعلق بِخوض جوْلَة مع ثَائِر وإنما هي سِبَاق مع الخطر رغم التَّبِعَات النفسية والاجتماعية والاقتصادية للحَظر الصّحي الذي يفترض أن نمتلك مخزون من الصَّبر والقدرة على التحمل وكيفية تدبير اليومي في ظل إجراء الحجر والعزل وإدارة التباعد بذكاء أمام وضعٍ لم يَتَوقَّعُه أحد. وفي انتظار غدٍ أفضل، يبقى المطلوب هو أَنْ نتعوَّد على الوضع الجديد/المؤقت بدون قلق أو ملل أو اضطراب مع استدعاء القدرة المجتمعية والإرادة الجماعية لِتحويل التهديد إلى فُرصة للتمديد وعدم الإنتقال المُتَسَرِّع إلى الوضع العادي لأن العودة/فجأة إلى الحياة الطبيعية دفعة واحدة بدون مقاربات علمية وإجراءات وقائية تعتبر قفزة خطيرة نحو المجهول قد تُصبِح معها الكُلفَة البشرية جدّ عَالية، والوضع سوف يَخرج عن السيطرة ويكون الصِّفر هو مآل المجهودات والتضحيات التي بُذِلَت وطنياً إلى حدّ الآن. كما أن مثل هكذا قرار قد يُؤدِّي إلى كارثة غير متوقّعة ولا أحدَ اليوم يدَّعِي أن لديه نظام صحِّي قويّ وفعَّال لأنه من خاصيّات كوفيد إذا لم يتم تسطيح منحناه فإنه يُعاوِد الظهور والزيارة بشراسة وهذه المرة مع ظهور الهلال خاصة إذا عَلِمنا أنه تَسَلَّل واستوطن بعض الأُسَر في انتظار رفع الحظر الصحي بِقَرار. لهذا فإن سياسة التمديد والتّدرّج الذكي تعتبر خياراً استراتيجياً نظراً لِهشَاشَة البِنيَات الاجتماعية والخدماتية وأن معظم الفئات في وضعية حرجَة توجد على هامش أنظمة الحماية والعناية والرعاية. هكذا يُمكِن تكييف الإجراء مع الحالة النفسية والاجتماعية للمواطن في إطار نوع من التوازن والاستقرار: إنّه الإجراء الصَّائِب بما يتناسب والحاجة المُلِحَّة عندما نكون أمام لحظة فارِقة وفَاصِلَة للخروج بِأقلّ الخسائر.

أَمَّا سينَاريو ما بعد كورونا فإنّه يفترض استخلاص دروس المِحنَة من خلال إعادة تقييم الاستراتيجيات وإعادة النظر في السياسات والتوجهات وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن تقوية مراكز القوة الاستراتيجية في المجالات الاجتماعية والاعتماد على بناء القدرات الذاتية والاستفادة من التعبئة الوطنية لتعزيز الثقة والانتماء.

“هذا بلاغ للناس ولِيُنذَرُوا بِه”

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. Bravo

    كتابة بمنطق علمي ومن حلال معاينة اجماعية داخل مختبر بشري كوني عالمي يحاربه كائن حي في منتهى الصغر، والعالم باكمله يجاهد فيه جهاد منقطع النظير ولم يهزمه بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق