
في ليلةٍ تعطّرت بروحانية الشهر الفضيل، واكتست بحُلة القصيد الأنيق، افتتح “بيت الشعر” في إمارة الشارقة أولى أمسياته الرمضانية. في هذا المحفل المهيب، تعانقت الكلمة مع النفحات الإيمانية، بحضور الشاعر الأستاذ محمد عبدالله البريكي، مدير بيت الشعر، الذي أحاط الأمسية بعنايته، وسط غيمةٍ كثيفة من النقاد، والشعراء، ومتذوقي الأدب الذين لبّوا نداء القصيدة.
اعتلى منبر البوح الشاعر الدكتور مثنى إسماعيل، ليدير دفة هذه الليلة بتقديمٍ باذخ الجمال. رحب بالحضور ترحيباً يليق بمقام الكلمة، ثم رفع أصدق آيات الشكر والعرفان إلى راعي الثقافة وباني صروحها؛ صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة. وصدح الدكتور مثنى بكلماتٍ تفيض امتناناً قائلاً: “هنا حيث تزدهي الشارقة بعبق التراث وإرث الكلمة، وتعتز بحضارة أسسها شيخ العلم والأدب الذي لا يدخر جهداً في دعم الثقافة وروادها ومحبيها، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حفظه الله ورعاه”.
وما إن أُسدل ستار التقديم، حتى أطلّ الشاعر الأردني أحمد الأخرس، ليفتتح القراءات بنصٍ روحانيّ شفيف، حلّق بأرواح الحاضرين في سماء المديح النبوي. حشد الأخرس في قصيدته أسراباً من الصور والأخيلة، ونسج من محبته لرسول الهدى بُردةً وشّحت حروفه بالنور.
ولم يكتفِ الأخرس بالتحليق في مدارات المديح، بل عاد ليسافر في أروقة الروح عبر نصه “واحدٌ في مقامه”. في هذه القصيدة، تجلى الشاعر أمام ذاته، مستعرضاً كينونته التي تقلبت بين فصول الحياة.
إثر ذلك، انتقلت راية الشعر إلى الشاعر السنغالي عبدالعزيز لو، الذي نثر في الأرجاء مجموعة من القصائد المضمخة بالرمزية الشفيفة والعذوبة المتناهية. سافر “لو” بجمهوره إلى مدن الحرف المنسية مستظلاً بمعانيها العميقة، وهو يحمل على ظهره حقيبةً من الحزن تكشف عن مكامن الوجع والغياب، معرّفاً الحزن بفلسفةٍ شعريةٍ تأسر الألباب.
ومن شرفات حزنه الآسر، مضى الشاعر في سفرٍ مجازي نحو “الليل الأخير”، وهناك التقى بالدروب المتشابكة، وعانق الأسى، وتماهى مع الغرباء في لوحة شعرية تنبض بالشجن.
وكان مسك ختام هذه التجليات مع الشاعر المصري، المهندس محمد فكري، الذي أطل على الحضور بقصائد مثقلةٍ بأسئلة الوجود. وقف فكري متأملاً طلاسم الكون ومسارات البشر، فجاءت قصيدته “كيف” لتكون مرآةً تعكس قلقاً داخلياً عميقاً، صاغه ببراعة وأناقة لافتة.
وظل فكري مخلصاً لأسئلته الفلسفية التي افتتح بها بوحه، ليواصل رحلة التقصي في قصيدة “شيء”. هناك، رسم علامات استفهامٍ جديدة حول تفاصيل الشعور الغامضة، ومحاولات تفسير ما لا يُقال.
وفي ختام هذه الليلة التي ستبقى محفورة في ذاكرة الشارقة الرمضانية، تفضل الشاعر محمد عبدالله البريكي، مدير بيت الشعر، بتكريم فرسان الأمسية ومقدمها، تقديراً لعطائهم الذي أضاء عتمة الليل بنور القصيد، لتُطوى صفحة من صفحات الجمال، على أمل لقاءٍ يتجدد في رحاب الكلمة.



