ندوة فكرية تحتفي بالتراث وتبحث في سبل استدامته وتجديده
الملحون في زمن العولمة بين المحافظة والتجديد

نظمت جمعية إدريس بن المامون للبحث والإبداع في فن الملحون بسلا، يوم الخميس 12 يونيو بمؤسسة أبوبكر القادري للفكر والثقافة بمدينة بطانة، ندوة فكرية بعنوان: “الملحون في زمن العولمة بين المحافظة والتجديد”، وذلك ضمن فعاليات الأيام الوطنية لندوة الملحون التي تحمل اسم الراحل عبد الرحمان الكوهن، وتحت شعار: “الاعتناء بفن الملحون: وفاء – تنمية – استدامة”.
الندوة التي نظمت بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وجماعة سلا، وبتعاون مع عمالة سلا، عرفت حضور نخبة من الباحثين والمهتمين بهذا الفن الأصيل، وتنوعت المداخلات بين الجوانب التاريخية، الجمالية، التكنولوجية والسوسيولوجية.
افتتح الأستاذ مراد القادري مداخلات الندوة بمحور حول “حضور الملحون وامتداداته في القصيدة العامية المغربية الحديثة”، مؤكداً على أن الملحون لم يكن يوماً خطاباً معزولاً عن التحولات المجتمعية، بل شكّل وعاءً حاضناً لنبض الناس ومشاعرهم. وأضاف أن تأثير الملحون ما يزال واضحاً في الشعر المغربي العامي المعاصر، رغم مظاهر التراجع، وأن هذا الامتداد يتجلى في اللغة، البنية، والمواضيع، مشدداً على ضرورة إعادة الاعتبار لهذا الفن عبر التأطير الأكاديمي والتحفيز الإبداعي.
أما الأستاذ عبد الصادق سالم، فقد تناول محور “مرجعية الحكي والقيمة الجمالية: قراءة استبصارية في شعر الملحون”، مبرزاً أن فن الملحون يتميز ببنية حكائية تستند إلى التخييل الشعبي، وتمنح القصيدة قدرة على النفاذ إلى وجدان المتلقي. واعتبر أن القيمة الجمالية لفن الملحون تكمن في تعدد مستوياته التعبيرية، التي تجمع بين التوثيق والرمز والإيقاع، ما يجعله مجالاً خصباً للتأمل النقدي والقراءة الجمالية العميقة.
وفي محور “قيمة فن الملحون كعنصر من عناصر التراث المغربي باستخدام تقنيات المعلومات”، دعا الأستاذ مولاي حفيظ البزيدي إلى الانفتاح على الرقمنة كأداة للحفاظ على ذاكرة الملحون. وأكد أن توثيق النصوص، وتسجيل الأداءات، وتطوير منصات إلكترونية خاصة بفن الملحون، من شأنها أن تضمن استدامته وتيسير وصوله إلى الأجيال الصاعدة، مشدداً على ضرورة ربط التراث بالتحول الرقمي بطريقة منهجية وعلمية.
من جهته، ناقش الأستاذ يوسف أمفزع محور “الملحون والأشكال الأدبية المعاصرة بين سطوة الواقع ورهانات الكونية”، مبرزاً أن فن الملحون اليوم يواجه تحديات تتعلق بالهوية الثقافية والانتماء في ظل العولمة، وأنه من الضروري إعادة التفكير في صيغ التلقي والإنتاج الفني التي تسمح للملحون بأن يكون جزءاً من الحراك الأدبي العالمي دون أن يفقد جذوره. كما أشار إلى الحاجة لبناء جسور بين التراث والحداثة عبر دعم الإبداع الشبابي وتكريس الحضور المؤسساتي لهذا الفن.
قاد الجلسة الأستاذ نعيم بنغموش، الذي ساهم في خلق جو من التفاعل الإيجابي بين الحضور والمتدخلين، وأثار قضايا مهمة حول دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في إنعاش فن الملحون وإيصاله إلى أوسع شرائح المجتمع.
اختتمت الندوة الفكرية بتوصيات دعت إلى دعم البحث الأكاديمي في فن الملحون، وإنشاء أرشيف رقمي وطني خاص به، ودمجه في البرامج الثقافية والتربوية، باعتباره مكوّناً من مكونات الهوية الوطنية، ورسالة فنية وإنسانية لا ينبغي أن تطالها عوامل التآكل أو النسيان.



